|المجلة الاولى لرصد الصحافة ومراجعتها في العالم العربي|
 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
 
 

تخـاذل "الـمؤسســة" الاعلاميــة

نورمان سولومون

أحد اسوأ الامور في انظمة التواصل الفائقة التطور التي نعيشها اليوم يحدّق فينا لكننا لا نراه: إنهم يسرقون وقتنا.

مما لا شك فيه ان الاختراعات على غرار الكومبيوتر والهواتف الخلوية واجهزة النداء تحول دون هدر الكثير من الوقت، لكننا لا ننتبه الى اي حدّ تجعلنا التكنولوجيا المتطورة ننتظر.

أكنت غنياً أم فقيراً أم بين بين، أنت تعاني على الارجح ضيق الوقت. وعندما تدأب التطفلات على استنزاف لحظاتك الثمينة، فإنك تشعر ربما بمزيج من الانزعاج والاحباط والغضب.

ان رد الفعل الكاسح في جميع انحاء البلاد على لائحة "لا تتصل" الجديدة يمثل شكلاً من اشكال التمرّد على سارقي الوقت المؤسسيين. وقد كتب رئيس تحرير مجلة "فورتون" جيفري كولفين اخيراً: "إننا نحتاج الى تقويم حجم ما حصل. فالذعر الجماعي الذي يثيره المسوّقون عبر وسائل الاتصال في صفوف الاميركيين هو حركة قاعدية حقيقية واسعة النطاق. وهي تظهر كم ان مشاعر الناس عميقة وقوية حيال هذه المسألة الثانوية ظاهرياً.

خلال مرحلة دامت شهرين في الصيف، منح ما يزيد على 40 مليون اميركي تواقيعهم طالبين وضع هاتفهم المنزلي خارج متناول الماكينات التسويقية. الا ان لائحة "لا تتصل" ليست سوى تعبير واحد عن هول الاعتداء المتواصل على وقتنا. وفي حين يحذر أحد الاعلانات التلفزيونية لشركة بطاقات اعتماد من خطر "سرقة الهوية"، الأجدى بنا أن نقوم بحملة قومية ضد مشكلة اكثر اهمية، الا وهي سرقة الوقت.

وقتنا يتعرض للسرقة بشتى الوسائل من جانب الشركات والمصالح الحكومية التي تعتبره عديم القيمة.

فكّروا كم من الوقت أمضيتم هذه السنة في إجراء اتصالات هاتفية والانتظار على الخط بينما تجتاح الموسيقى واعلانات المبيع آذانكم. انه لمن العجيب كم يحصل "ضغط غير اعتيادي على الخطوط" غالباً، وهي جملة مقنّعة يمكن ترجمتها بأن "وقتك اقل اهمية من تحمّلنا عبء توظيف عدد اكبر من الناس".

ويلجأ عدد متزايد من الشركات الى استخدام البرامج المعلوماتية التي تتعرّف الى الصوت، بغية اجبار المتصلين على التحدّث الى الآلات. تلك الشركات لا تدفع لنا، اي ان وقتنا لا يعني لهم شيئاً على الاطلاق، لا بل يجب ان ننتظر وقتاً اطول.

على نحو متزايد، وفي حين يُجبر المتصلون على الانتظار على الخط، تبث رسائل مسجلة عبر الهاتف اعلانات عن منتجات وخدمات، للآذان الصاغية رغماً عنها. وذلك بالتأكيد شكل آخر من اشكال التسويق الاتصالي.

في تلك الاثناء، ما زالت الاعلانات التقليدية عبر التلفزيون والراديو مستمرة في هدر اوقاتنا، بينما تبيع وسائل الاعلام وقتنا للمعلنين بلا هوادة.

اما تجربة الانترنت فتشكل يوماً بعد يوم اعتداء متفاقم الخطورة على وقتنا، وليس فقط من خلال رسائل التسويق الالكترونية. فكروا كم من وقتنا يُستنزف يومياً لكي نتخلص من العدد الهائل من الاعلانات المفاجئة التي تظهر على الشاشة في مواقع الشبكة المختلفة.

إن نجاح لائحة "لا تتصل" مؤشر الى مدى تحوّل حيواتنا حيوات مدمّجة. فمحيط الاعلام ملوّث باستمرار بمطالبات جوفاء تريد الاستئثار بوقتنا وانتباهنا.

في شكل عام، ان الهوس الاجتماعي بالتجارة - وهو السبب الجوهري لوجود معظم المؤسسات الاعلامية - يقرض من وقتنا بلا انقطاع، الى حد ان الوقت لم يعد يبدو كأنه ملكنا، بل هو على الارجح ملك شركات غير مسؤولة وموظفيها.

ان المؤسسة الاعلامية تتخاذل اليوم باستمرار عن فضح الحصار المفروض على وقتنا باعتباره مشكلة كبرى من المشكلات المتعلقة بنوعية الحياة التي نعيشها. على سبيل المثال: كم من وقتنا يُهدر في عجقة السير بسبب عدم وجود شبكة طرق ملائمة؟ كم من الوقت أمضيتم هذه السنة منتظرين في الصف في مكتب البريد بسبب افتقاره الى العدد الكافي من الموظفين (في حين تستمر موازنة البنتاغون في الارتفاع بلا هوادة)(...)؟

في حين قد يشعر الناس من مختلف المستويات الاقتصادية بنقص حاد في الوقت، اولئك الذين يملكون المال قادرون على شراء بعض الوقت ضمن أطر مختلفة. اذ إن الميسورين، والاثرياء تالياً طبعاً، قادرون علي تجاوز عدد كبير من العقبات، على غرار انتظار الباصات او القيام بمهمات مضجرة وواجبات يؤديها الناس ذوو الموارد المتواضعة بأنفسهم.

الحقيقة هي ان الصحافة واحدة من المهن الكثيرة التي تنطوي على ضغوط صارمة غالباً من حيث الوقت. ذلك صحيح الآن اكثر من اي وقت مضى، لكن حتى في الماضي، لطالما كان هذا القطاع محموماً بشكل خاص.

ترجمة "قضايا النهار"

ناقد اميركي متخصص في وسائل الاعلام تنشر "قضايا النهار" مقالاته بالاتفاق معه.

 
 

 
     
 

الصفحة الرئيسية | تقديم | المنتدى  | للإتصال بنا | إفتتاحيات | ملفات |تحقيقات | عن المهنة
 نحن في صفحاتهم | حريات الصحف | المرصد اليومي | لقاء | صور | تواريخ الصحافة
قاموس الصحافة | مواقع الصحف | أسعار الإعلانات