|
كيف
تنعى صحيفة كبيرة معلقاً كبيراً: فلورا لويس
حين ادركت فلورا لويس ان مرضها يحول دون كتابتها افضل ما
يمكنها كتابته، كان نموذجياً منها ان ترفض نشر مقالات اخرى.
ولقد كان قرارها هذا دليلاً على الاحترام الذي تكنّه
لموهبتها الخاصة ولذكاء قرّائها.
وكان ناشر لويس في "الانترناشونال هيرالد تريبيون" روبرت
دوناهيو قد طلب منها في شهر نيسان أن تكتب عن الانتخابات
الرئاسية الفرنسية - وهو موضوع كان ليستفيد من التشريح
بواسطة مبضعها الحاد. لكنها قالت انها عاجزة عن فعل ذلك.
اذ انها لم تعد قادرة على تقديم افضل ما لديها، ولم تكن
مستعدة لتأمين أقلّ منه. والتزمت قرارها هذا حتى وفاتها
يوم الأحد الفائت عن سن التاسعة والسبعين.
يميل الصحافيون الى قول أقل مما تقتضيه الحقيقة عند حديثهم
عن اعضاء مهنتنا هذه. صحيح اننا لسنا نجوماً سينمائيين ولا
زعماء سياسيين، لكن فلورا لويس كانت تلك الزميلة الفذّة
التي تستحق المغالاة في عبارات الثناء. اذ كانت على قدر
كبير من الذكاء والعقلانية - مما كان يتيح لها رصد أي
عبارة سخيفة او فكرة غير متينة حتى قبل التفوّه بهما. وقد
مكّنها هذا الذكاء الحاد من تمييز هراء العالم الديبلوماسي
الذي غالباً ما عملت على تغطيته.
لم تكن فلورا لويس محض محلّلة لأفكار الآخرين السيئة. بل
كان لديها اقتناعات، وقد عبّرت عنها على نحوٍ جريء ومباشر.
فكانت مثلاً تحبّ دولة اسرائيل، لكنها رأت ان سياستها
القائمة على اغتيال اعدائها الفلسطينيين بغيضة للغاية. وقد
قالت ذلك مراراً وتكراراً في مقالاتها.
وكانت تحبّ المشروع الاوروبي الذي تابعت نموه مذ كان فكرة
ناشئة حتى اصبح واقعاً عظيماً، وذلك عبر مراحل سيرتها
المهنية الطويلة. لكن حين رأت ان رجال السياسة الاوروبيين
يرتكبون اخطاءً سخيفة. نبّهتهم الى اخطائهم، مثلما فعلت
أخيراً عند مناقشتها السياسة الاقتصادية الاوروبية.
وكانت تؤمن بالنفوذ العسكري الاميركي، ولم يكن يشوب
تقويمها مسألة ادارة شؤون الدولة أي نزعة عاطفية. لكنها لم
تكن تحبّذ التطبيق الأحمق للنفوذ العسكري، وقد شجبت
الجنرالات ورجال السياسة على اندفاعهم المتهوّر لعسكرة
الفضاء.
وكانت تحبّ فرنسا - بشغف لم يبارحها قط منذ شبابها - الا
انها كانت تتوهج احياناً لدى وصفها حماقات رجال السياسة
الفرنسيين. وكان ورد في أحد مقالاتها الاخيرة عبارة تفيد
بصراحة ان عهد جمهورية ديغول الخامسة قد "انتهى".
اما مقالها الاخير، الصادر في العاشر من نيسان، فقد وبّخ
ادارة بوش على رفضها توسيع القوات الدولية في افغانستان.
وكانت قاطعة في كلامها، على عادتها، اذ كتبت مثلاً: "مما
لا شك فيه ان الارهاب يشكّل خطراً، الا ان الخطر الاكثر
غدراً ومكراً هو المخدرات. منذ عامين كانت افغانستان
المنتج العالمي الأول للأفيون. فقرّرت حركة طالبان اتخاذ
اجراءات صارمة على هذا الصعيد، والمذهل هو انها نجحت في
وقف القسم الاكبر من نشاط الشبكة. لكن من دون مراقبة
عسكرية جدية وبعض الخطوات الهادفة الى احياء الاقتصاد بغية
تأمين مصدر بديل للمداخيل، سرعان ما ستُشْبع افغانستان سوق
المخدرات من جديد".
لكي تشعر بقوة شخصيتها، ما كان عليك سوى النظر في عينيها.
كان لونهما ازرق جميلاً ومشعاً، وظلت شعلة ذكائها وفطنتها
تتراقص فيهما حتى خلال الأشهر القليلة التي سبقت وفاتها.
كانت ذات حضور رائع قادر على التفوق في الكلام والفتنة -
وفي الشرب عند الضرورة - على جميع الذين يقتربون من حلقتها
السحرية.
وكانت تكتب كحلم. اذ كانت فلورا لويس من هؤلاء الأشخاص
الذين يتمتعون بالقدرة على تفسير الأمور المعقدة بوضوح من
دون محو الدقائق التي تصنع تعقيدها.
وكانت "الانترناشونال هيرالد تريبيون" قد كفّت منذ وقت
طويل عن نشر القسم الاكبر من مقالاتها. ولم تحبّذ لويس
ذلك، كما انها، وهذا الأهم، لم تكن تحتاج ذلك. وهي تستحق
هذا التكريم الأخير والموجز الذي نخصّ به نخبة اعضاء
مهنتنا: لقد كانت محترفة.
شرّفت فلورا لويس صفحات هذه الجريدة طوال 37 عاماً،
كمراسلة ومن ثم ككاتبة عمود، ونحن شاكرون لها على كل كلمة.
"الانترناشونال هيرالد تريبيون"
ترجمة جمانة حداد |