|
أغجا في
الصحافة التركية: انقرة رهينة أسرارها
محمد نور الدين
<<القاتل بيننا. يكفي تركيا هذا العيب>>.
<<يوم الخزي. تفضل سيدي القاتل الى المارسيدس>>.
<<الإرهابي البطل>>. <<هرّبوه من جديد>>. <<صمت فتحرر>>.
<<أغجا طليقاً>>. هذه بعض مانشيتات الصحف التركية أمس
الجمعة، حول اطلاق سراح محمد علي أغجا الذي حاول اغتيال
البابا يوحنا بولس الثاني عام 1981، والمتهم بقتل عبدي
ايبكجي رئيس تحرير صحيفة <<حرييت>> عام 1979، وبجريمتي
اغتصاب.
الجميع في تركيا يبحث عن اجابة قاطعة حول مغزى تخلية سبيل
أغجا. البعض يربطها بحق قانوني وفرته قوانين عفو متلاحقة،
فيما يلمح آخرون الى صراعات سياسية داخل تركيا وحتى داخل
حزب العدالة والتنمية، ويستمر آخرون في دهشتهم من التكتم
الذي اعتصم به أغجا نفسه طوال عقدين ونيف من الزمن.
يقول فهمي تورو، الكاتب في صحيفة <<يني شفق>>، إن محمد علي
أغجا كان في قلب تطورات مهمة للغاية: واحدة قادت الى
انقلاب 12 ايلول 1980، واخرى الى نظام عالمي جديد بعد
1990. مع ذلك فإن تصريحات أغجا لم تقد الى اي دليل صغير
يضيء هذه الأحداث. فهل اطلاق سراحه عائد لتكتمه الشديد؟
هذا سؤال منطقي. قد لا يعرف أغجا لماذا ارسل لاغتيال
البابا او إيبكجي، لكنه حتما يملك معلومات تملأ بعض الفراغ
في هذه الملفات. لذا على أغجا ان ينظر الى اطلاق سراحه
كفرصة لكي يتكلم.
ويتساءل جنكيز تشاندار، في صحيفة <<بوكون>> عمن وراء اطلاق
سراح أغجا. هل هو خطأ حسابي ام حسابات سياسية؟ خصوصاً ان
رئيس الحكومة رجب طيب اردوغان لا يدافع عن وزير العدل جميل
تشيتشيك. وإذا كان الاخير وعد باعادة درس الملف في القضاء،
فلماذا لم يفعل ذلك قبل تخلية أغجا؟ ولماذا يراكم الاخطاء
كما فعل في قضية اورخان باموق؟.
بدورها رهشان اجاويد، زوجة رئيس الحكومة السابق بولنت اجاويد،
والتي ينسب لها انها كانت وراء قانون للعفو صدر قبل ست
سنوات واستفاد منه أغجا، تتساءل عما اذا كان هناك <<خطأ
مقصود>> في احتساب سنوات حبس أغجا لإطلاق سراحه، مذكرة بأن
تهريب أغجا من سجن <<مالتيبيه>> العسكري عام 1979، المعروف
بإجراءاته الأمنية المتشددة جداً، كان سؤالاً لا جواب عليه
حتى الآن.
ويدعو ديريا سازاق، في صحيفة <<ميللييت>>، الى البحث في
<<لغز>> أغجا، عبر كشف علاقته بالاستخبارات التركية
والمديرية العامة للأمن، حيث هناك ما يفيد بوجود ارتباطات
قوية وعضوية بين اغجا والعديد من زعماء المافيا المرتبطين
بقوى أمنية وعسكرية داخل الدولة، وهو ما عمل على البحث فيه
الصحافي التركي المعروف اوغور مومجو الذي قتل عام 1993 من
دون ان تكتشف حتى اليوم الجهة التي اغتالته.
ويرى اوكتاي اكشي، كبير الكتّاب في صحيفة <<حرييت>>، إن الغضب
يجب ان ينزل على النظام القضائي في تركيا. فلا يمكن ان
توجد عدالة كهذه في اي مكان. الحضارة تحتج، لكنها تركيا،
حيث يوجد كل شيء. وهكذا يفعل المعلّق طوفان تورينتش بقوله
إن مثل هذا الاجتهاد القضائي لا يوجد حتى وسط قبائل
افريقيا. ان اطلاق سراح أغجا عار على تركيا وهو يوم أسود
لقضائها.
وينقل وزير العدل نفسه جميل تشيتشيك، ان البعض سأله: ومتى سيتم
العفو عن الذين في الجبال (اي مقاتلي حزب العمال
الكردستاني)؟ في اشارة الى السمعة السيئة للقضاء التركي،
ويجيب تشيتشيك بأن على الناس ان تنسى من اليوم وصاعداً
كلمة <<عفو>>. لا عفو عن الإرهابيين. ودعا تشيتشيك القضاء
التركي الى اعادة النظر بمسألة احتساب سنوات سجن أغجا. فقد
يكون هناك خطأ بسنة واحدة على الاقل. وحينها يتوجب اعادة
أغجا الى السجن لسنة واحدة.
ويصف وزير العدل السابق حكمت سامي تورك، وهو من كبار
القانونيين في تركيا، اطلاق سراح أغجا بأنه <<تخلية عن وعي
وادراك>>. والنظام الذي هرّبه من السجن عام 1979، هو نفسه
الذي يخلي سبيله الآن. ويقول إن قانون العفو الذي صدر عام
1991 في عهد طورغوت اوزال كان السبب الرئيسي لخفض مدة سجن
أغجا، الذي استفاد من تخفيض العقوبة على الجرائم المرتكبة
قبل 1991. وإن بقي الاختلاف بين رجال القانون حول ما اذا
كانت مدة سجن أغجا في ايطاليا عشرين عاماً، بسبب محاولة
اغتيال البابا، تحتسب ضمن مدة الحكم عليه بالسجن في تركيا
بسبب قضية اغتيال عبدي ايبكجي.
يربط يلماز اوزتونا، المؤرخ والكاتب في صحيفة <<تركيا>> بين
انفلونزا الطيور ومحمد علي أغجا ويقول بأن اياً منهما لا
يشرّف تركيا ولا يفيدانها قيد انملة، بل كلهما اذى. فيما
يدعو ديريا سازاق الى عدم اداء أغجا الخدمة العسكرية لان
هذا لا يليق بسمعة العسكر وكرامته.
وتطرح صحيفة <<آفشام>> تساؤلاً عن السر الذي دفع بالبابا الى
العفو عن محمد علي أغجا، والى ان يوزع الاخير عند خروجه من
السجن غلاف عدد سابق من مجلة <<التايم>> الاميركية وفيها
يظهر هو والبابا عند زيارة الاخير له في السجن.
كان من اللافت ان يستقبل أغجا عند خروجه من السجن من جانب
مجموعات قوية متشددة حملت علماً تركياً كبيراً نثرت عليه
الورود، فيما اقلته سيارة مرسيدس فخمة، وسط مظاهر فرح
واحتفاء بأغجا ك<<بطل>> تتهافت للقائه محطات التلفزة مقابل
عروض مالية مرتفعة، وهذا ما حذّر منه ممثل الفاتيكان في
تركيا الذي قال انه يجب ألا يظهر القاتل بمظهر البطل.
محمد علي أغجا حراً، فيما تبقى تركيا رهينة أسرارها.
*عن
صحيفة السفير اللبنانية، تاريخ النشر 14-01-2006
|