|
"الشأن
الاجتماعي في الصحافة" لملحم شاوول:
القارئ حين يصبح مرصداً
قد يطلق على محاولة الدكتور ملحم شاوول في تقصي الشأن
الاجتماعي في الصحافة اليومية (اللبنانية طبعا) اسم المرصد
الصحافي. فأول ما يلفت هو التساؤل الذي يتولد من متابعة
الورقة البحثية التي قدمها شاوول الاثنين الماضي
(26/1/2004) في نقـابـة الصحـافــة، حـول من هـو القـارئ
الذي يراقب الصحافي؟
كسرت الورقة البحثية التي قُدمت باسم "الجمعية اللبنانية
لعلم الاجتماع" بهذا المعنى، مفهوم القارئ الوهمي، الهلامي،
الغائب عن طاولة الصحافي واوراقه اثناء كتابته الخبر او
المقال او التعليق...
فجأة، اذا بالقارئ وهو هنا الدكتور شاوول يطل علينا بحصاد
عام من عمر صحيفة "النهار" نموذجا في المرحلة الاولى تليها
"السفير" في ما بعد، جامعا مقالات "المرتبة الثالثــة من
اهتمــام الصحافيين بعد السياسة فالاقتصاد"، اي مقالات
الشأن الاجتماعي.
الفكرة قامت على اجراء احصاء بعدد المقالات (لا الاخبار!)
التي تناولت مواضيع اجتماعية خلال العام 2003 بتبويبها
خانات: حقوق الانسان، المرأة، التعليم، الضمان الاجتماعي،
العمال والنقابيين الشباب، الهجرة، المخدرات، المعوقين،
المزارعين، الصحة، المنظمات والجمعيات، و...عبادة الشيطان.
وغاب عن الجدول موضوع البيئة رغم وجوده البارز في "النهار"
نظرا الى انه ينطوي على ابواب عدة قد تجعل "البحث فيه شاقا
جدا". كما تعذر "حصر مواضيع التنمية الـواسعــة جـدا" الى
الاخبــار المستـوحــاة من تقـارير الامـن الداخلـي
والشــؤون العدلية.
الورقة اقترحت تحديدا لـ"ما هو الموضوع الاجتماعي وكيف
يعالج واي نوع من الاعتناء يستحق" بهدف اتفاق الاكاديميين
والصحافيين على نقطة ارتكاز ما، ينطلق منها تقويم حضور
الشأن الاجتماعي في الصحافة.
ويجوز القول هنا ان مقاربة الدكتور شاوول نحت في اتجاه
نقاش اكاديمي يقيم التباين على اختلاف المصطلح الذي عادة
ما تدرج مقالات الصحيفة وتحقيقاتها فيه. وتاليا فان
العناوين التي ادرجها في باب "الشؤون والمشاكل المجتمعية"
حاضرة وبشكل يومي في الصحف مع فارق ان كل صحيفة اختارت لها
تصنيفا يناسب رؤيتها لنفسها كمنبر يطل على الناس ليقدم "خدمة"
التزويد بالمعلومات والتحليلات وفق ما ترتئيه الصحيفة من
الاخبار والتحقيقات التي ترى فيها تمايزها عن سواها من
الصحف.
يمكن القول ان استدراج الصحيفة الى ان تصبح "اكثر اكاديمية"،
وإن على مستوى التبويب مثلا، لن يخدم الفكرة الصحافية
نفسها. لا بل ان الصحافي عادة ما يعيد تدوير ابحاث
اكاديمية، بالمعنى المهني للكلمة، ليقدم محتواها بقالب
اقرب الى الذائقة العامة منه الى اصحاب الاختصاص وحسب.
وربما تكون هذه هي علة المهنة الصحافية الاساسية. والامثلة
على ذلك اكثر من ان تحصى، من موضوع معقد كالموازنة العامة
للحكومة مثلا الى الدراسات الاجتماعية الاخرى كتلك
المتعلقة بالتعليم والصحة والجريمة الى ما عداها.
هل يحتل الشأن الاجتماعي فعلا المرتبة الثالثة في الصحف
مقارنة بأولوية السياسة فالاقتصاد؟ اذا ما اعتمد التصنيف
الذي اقترحته الورقة البحثية فان النتيجة واضحة. المقال
السياسي يأتي اولا. ولكن علينا اولا الاتفاق كذلك على ما
هو السياسي؟ طبعا ثمة محللون سياسيون يتناولون الشأن
السياسي بما هو تعبير عن رصد المواقف السياسية وتبعاتها
ونتائجها. ولكن منذ بداية التسعينات على الاقل يأخذ البعد
الاجتماعي في اي نقاش سياسي مكان الصدارة، خصوصا ان
"شعارات المرحلة" السياسيــة حملـت بعـدا اجتمـاعيــا
استثنائيا.
كما انه هل النص الذي يكتبه سياسي (لنفرض رئيس حكومة سابق
او نائبا مهتما بالشأن الصحي او شخصية حزبية ناشطة في قطاع
نقابي...) نص سياسي بالضرورة؟ خبر تحرير الاسرى من السجون
الاسرائيلية هل هو محض خبر سياسي؟
من السيئات التي تحملها بعض النتاجات الصحافية، التهور في
استخدام ما تبثه "المصادر" على تنوعها، والتعميمات غير
الدقيقة وترداد التصاريح والبيانات والمواقف والارقام،
وعدم ادراك مدلولات الكثير من الوثائق. ويحتاج الصحافي
حتما بما تحتمه عليه مسؤولية المهنة، التحلي بميزات من
خبرة الباحثين ومنهجيتهم وعلميتهم. وفي هذا السياق تأتي
أهمية الورقة البحثية لـ"الجمعية اللبنانية لعلم
الاجتماع".
ولكن ثمة دور لا بد ان تتصدى له الجمعية وسواها من منظمات
المجتمع المدني المتخصصة، وهو المبادرة في اتجاه الجسم
الصحافي الذي سيوسع من دائرة تأثير عمل الجمعيات وفاعليته،
وخصوصا ان الكثير من الصحافيين اثبتوا فعلا القدرة على دمج
صفتهم المهنية بالانشطة التي يشاركون فيها في هيئات
المجتمع المدني واحزابه وجمعياته ومنتدياته.
نبيل ابي
صعب |