|
تنظيم
الإعلام الإنتخابي: عيوب
نزار صاغية
منذ فترة، يلمس الساعون الى قانون انتخاب ديموقراطي وتالياً
الى تنظيم الاعلام الانتخابي غياباً كلياً للارادة
السياسية في مناقشة طروحاتهم او تقويمها، في معزل عن مدى
عقلانيتها او تلاؤمها مع ظروف المجتمع اللبناني. وقطع
الوصال على هذا النحو يتأتى بالدرجة الاولى عن الاختلاف
الحاصل حول طبيعة النظام السياسي ودور المواطن ومكانته في
الحياة السياسية العامة، وهي اختلافات تولّد مؤكداً
اختلافاً في تحديد الوظيفة المرجوة من الاعلام - خلال
الحملات الانتخابية وخارجها على حد سواء - واذا في كيفية
تنظيميه. فاذا كانت وظيفة التنظيم الاعلامي في المجتمع
الديموقراطي تقوم على تأمين حرية التعبير والموازنة بينها
وبين ضرورات المساواة والتعددية فان التنظيم الاعلامي
السائد حالياً يهدف اولاً الى تكريس اصحاب السلطة وتعزيز
سطوتهم. وهذا ما يشكل مؤشراً جديداً على استتباب نظام
الهيبة او الكاريسما في لبنان اي النظام الذي يستمد فيه
الحاكم شرعيته من تسليم الجماعات المحيطة بزعامته الدائمة
اما خداعاً واما قسراً.
وتالياً فان خير طريقة اعالج فيها الموضوع المطروح تفترض
دراسته في جزأين اثنين بحيث يتناول الجزء الاول التنظيم
القانوني للاعلام الانتخابي السائد حالياً فيما احاول في
الجزء الثاني رسم الخطوط العريضة للتنظيم القانوني للاعلام
الانتخابي بما يراعي مقتضيات الديموقراطية الى اقصى حد
ممكن في ظروف المجتمع اللبناني الراهنة.
I - التنظيم القانوني للاعلام الانتخابي في النظام
اللبناني الحالي (نظام الهيبة)
في هذا الباب، نجد قوانين عدة تصب في الاتجاه نفسه لجهة
اخضاع مسألة التنظيم الاعلامي لمقتضيات النظام، وأبرز
الاسناد القانونية في هذا الصدد قانون تنظيم الاعلام
المرئي والمسموع. فبموجب هذا القانون، حصرت التراخيص بتملك
وسائل اعلامية بعدد محدود غير مبرر تقنياً. ووزعت في ما
بعد على ذوي الحظوة من الزعماء او اتباعهم على اساس طائفي
وفقاً لنظام المحاصصة - رغم ان بعض الوسائل المرخصة كانت
تفتقر بداهة الى الشروط القانونية اللازمة - فيما رفضت
طلبات المناوئين لها. وما زاد الطين بلة في هذا الصدد هو
ان قانون تنظيم الاعلام المرئي والسموع قد جاء خلواً من
اية اشارة الى "حق ظهور" الرأي المخالف وبالاخص خلال
الانتخابات فيما بقي احترام التعددية مفهوماً مبهماً خاضعاً
في تطبيقه للمفاهيم الاخرى كالوفاق والوحدة الوطنيين او
النظام العام او المصلحة العليا وهي مفاهيم تعج في قانون
تنظيم الاعلام المرئي والمسموع، وأيضاً في دفتر الشروط،
وذات اولوية فائقة في قاموس المصطلحات الرسمية في زمن ما
بعد الحرب. وفي موازاة ذلك فان تلفزيون لبنان - الذي بات
المحطة الوحيدة المملوكة من الدولة - بقي في منأى عن مفهوم
"الخدمة العامة" لتحوله السلطة اداة تخدم مصالحها فقط، هذا
في معزل عما كانت تتهدده من ديون وأطماع.
وتوزيع الوسائل الاعلامية على هذا النحو لم يؤدّ اذاً الى
تعزيز سطوة اصحاب الهيبة وحسب انما قبل كل شيء الى تهميش
الاصوات المعارضة لها وابقائها، في منأى عن الاعلام وخصوصاً
في فترة الانتخابات. وهذا ما سمح اذاً لأصحاب الهيبة
بالتفرد في احتلال المساحة العامة كلها وباستغلالها توصلاً
الى احتكار الحياة السياسية الى حد كبير. وقد تجلى ذلك
بالدرجة الاولى في فرض مصطلحات سياسية وفي تسويق تصورات
جماعية من شأنها اضفاء شرعية معينة على النظام وتالياً
التأثير في العملية الانتخابية برمّتها والمضي قدماً في
تهميش الرأي المخالف.
والأمثلة على ذلك كثيرة، فمن جهة تضمين الاخبار اليومية
سلسلة من النشاطات التي يقوم بها الرؤساء الثلاثة فضلاً عن
نوابهم او كبار رجال الدين - وهي في غالبيتها استقبالات
مجردة من اي قيمة سياسية، وهذا يخلق انطباعاً بأنهم رموز
وطنية وجزء لا يتجزأ من النظام الطائفي.
كما ان ثمة مصطلحات سياسية انتشرت كالفطر. وقد رقي بعضها
الى مستوى الايديولوجيا "المقدسة" وتالياً الى فرض ترسانة
من المحرمات في المساحة العامة. وهذا ما ينتج مثلاً عن فرض
مفهومي الوحدة والوفاق الوطنيين كمسلمات، مما ادى حكماً
الى منع التعبير عن الاختلافات او الهواجس الطائفية
وتالياً الى منع الحوار والتواصل في هذا الشأن لعدم
الانتاجية وحفظاً للسلم الاهلي... وهو امر ادى كنتيجة
طبيعية الى ابقاء الانقسام الطائفي على حاله كالجمر تحت
الرماد. ومن المفاهيم الاخرى مفهوم "الهيبة" الذي بات
ملاصقاً للدولة ولمؤسساتها كافة، مما سمح باعتبار اي
انتقاد للدولة او اي من سلطاتها بما فيها القضاء او
مؤسساتها بمثابة اعتداء - او حتى انقلاب - على الدولة،
وتالياً تهمة توجه ضد صاحب الانتقاد. كما ان مصطلحي وحدة
المسارين او الاخاء اللبناني السوري قد استعملا في غير
مناسبة لكمّ الافواه الهادفة الى تصحيح العلاقة مع سوريا.
والى جانب ذلك، وسعياً الى تحقيق الهدف نفسه، فقد تم تغييب
قضايا حيوية في المجتمع كمآسي الحرب وجرائمها وضحاياها
وأسبابها. كما تم تغييب العبارات الملازمة للبناء
الديموقراطي كالتعددية وحق الاختلاف او حقوق الاقليات او
الافراد وفي شكل اعم كل ما من شأنه اعادة الاعتبار الى
الكرامة الانسانية القائمة اولاً على المساواة بين الناس
او احداث اضطراب ضميري لدى الناس. وأيضاً تم في نواح اخرى
تفريغ بعض الكلمات والقضايا من مضمونها وتسفيهها بواسطة
الهزل والكوميديا - وهذا ما يبرر تزايد برامج الفكاهة
السياسية - كما هي حال كلمة محدلة التي انبثقت بداية
كانتقاد ضد اهل السلطة ومنظمي اللوائح لتصير في ما بعد
موضع مفاخرة وتغن بالذات.
كما ان النظام قد ساهم في تعميم رؤية موحدة في شأن بعض
القضايا كقضية السيد سمير جعجع التي ابرزها بعض المعارضة -
عن جهل لمصالحها وللمصلحة العامة - كقضية مصيرية على حساب
القضايا المتصلة بكرامة الانسان. وقد ساهم ذلك في تحقيق
شبه اجماع على تلميع صورة الزعماء عموماً وفي ابقاء
الانقسام الطائفي على اوجه في غياب اي اضطراب ضميري. ومن
النافل القول ان مجمل تلك الامور قد ادى الى اعطاء شرعية
اضافية للنظام السياسي لدى الرأي العام فضلاً لما ساهمت
فيه لجهة منع المحاسبة والمساءلة.
والجدير بالذكر في هذا الصدد ان وظيفة الاعلام قد شهدت بعض
التغير في سنوات ما بعد الحرب. ففي الفترة الاولى عمد بعض
الحكام الى استخدام الاعلام لاقناع الناس بصحة خياراتهم او
بقابلية مشاريعهم للنجاح، ونجحوا الى حد معين في ذلك بفعل
نزوع الناس الى خلط التمنيات بالواقع. ولكن من البيّن انهم
ارتدوا من ثم عن ذلك لا سيما بعد انهيار "المشاريع الكبرى"
كمشروع اعادة الاعمار او مشروع بناء دولة القانون
والمؤسسات وانكفأوا اذذاك على تسويق صورهم، وعلى فرض
التسليم بهم في معزل عن مقدراتهم. وقد قاموا بذلك بشكل
متواصل في معزل عن موعد الانتخابات. وهذا امر طبيعي طالما
ان نظام الهيبة السائد يفترض التسليم بزعامتهم كحالة دائمة
وذلك بخلاف الانظمة الديموقراطية التي يعلن فيها الناخب عن
خياراته في وقت محدد.
وانطلاقاً من ذلك، حلت الصورة محل الكلمة وما يفترضه ذلك
من اوهام وأمحت الى حد كبير المسافة الفاصلة بين الاعلام
والاعلان السياسيين، طالما ان هدف الاعلام اصبح في الدرجة
الاولى ابقاء صورة الحاكم ماثلة في اذهان الناس، على حساب
وظيفته الانبل الآيلة الى تحقق التواصل او الحوار بين فئات
المجتمع كافة.
ومن النافل القول ان وضع اليد على الاعلام على هذا النحو
وخلافاً لمبادئ الديموقراطية ليس امراً منعزلاً انما هو
جزء مكمل للمنظومة القانونية السياسية الآيلة الى تجميد
المجتمع في انقساماته واخضاعه لحفنة من الاشخاص. وهذا ما
تؤكده مجمل قوانين نظام ما بعد الحرب ومنها بالتحديد
قوانين الانتخاب والتي غالباً ما طرزت على قياس اشخاص.
ومن هنا بدا الحظر المفروض بموجب قوانين الانتخاب
المتلاحقة على وسائل الاعلام المرئية والمسموعة كافة - بما
فيها تلفزيون لبنان - عن تعاطي الاعلان الانتخابي السياسي
خلال الحملة الانتخابية وكأنه طير يغرد خارج سربه ولا سيما
ان مخالفة الحظر المذكور جد صارمة وتصل الى حد التعطيل
والاقفال التام بقرار قضائي يصدر دون الاستماع الى الطرف
المخالف.
وللوهلة الاولى، لا نفهم... لا نفهم لماذا وضع الحاكم هذا
الحظر فيما هو الذي يسيطر على غالبية وسائل الاعلام. فهل
يخشى الاعلام الذي يسيطر هو عليه ام تراه وعى اخيراً
اللامساواة في توزيع وسائل الاعلام فأراد ردم بعض الهوة
واعتمد هذا الحظر؟ نعم، للوهلة الاولى لا نفهم. هل صحا
"ضمير الحاكم" فجأة؟ هذا هو السؤال الذي يفرض ذاته،
والاجابة عنه تأتي بالطبع نفياً.
فلو كان الهدف هو الحفاظ على فرض المساواة في ظل
اللامساواة الحاصلة في توزيع وسائل الاعلام، فلماذا كانت
الدولة اول من خالف الحظر المذكور بواسطة الاعلام العام
فأعلنت عن مرشحيها؟ بل لماذا كانت اول من خالف مبدأ
المساواة بين المرشحين فأنكرت حق الظهور لأوجه المعارضة
الاساسية؟ وأيضاً نسأل لماذا عمدت وسائل الاعلام بالاجماع
الى مخالفة هذا النص بعد اشهر قليلة من وضعه؟ وكأنهم
ارادوا، عند وضع النص، ثبيت مخالفات بحق انفسهم. والسؤال
هو: لماذا؟ ولماذا بقي النص ميتاً ولم يطبق الا اخيراً في
حالتي "ام.تي.في" واذاعة جبل لبنان؟
جواباً عن ذلك، يسوغ لي التقدم بالفرضية الآتية وهي انه
ربما وضع هذا النص - ليس بهدف تكريس قاعدة معينة - انما من
باب تجريد اصحاب الحظوة من اي حق مكتسب في استعمال وسائل
الاعلام العائدة لهم لأغراض انتخابية بحيث تبقى المادة 68
سيفاً مصلتاً عليهم ضماناً لاستمرارية ولائهم للقيمين على
النظام. فاذا كانوا - هم - اصحاب الحظوة في نظام ما بعد
الحرب، فحظهم باق بقدر ما يستمر ولاؤهم للسياسة السورية في
لبنان، فاذا سعوا في طرق مختلفة، فذلك كفيل ان يوقظ
القوانين "النائمة" - ومنها المادة 68 - لتشهر اسلحة ضدهم.
وهكذا تكتمل الترسانة القانونية فتنظيم الاعلام ادى الى
تأطير الفرد داخل جماعات متنافرة ومنع التواصل والحوار
بينها وتالياً الى ابقاء المجتمع على انقساماته تمهيداً
لاخضاعه لأصحاب النفوذ والهيبة، فيما المادة 68 جاءت تجرد
ببساطتها هؤلاء من اي حق مكتسب، ضماناً لبقاء ولائهم لمن
هو اصل هيبتهم، اي الهيبة السورية. انها بمثابة اللمسة
الاخيرة التي يضعها الفنان على لوحته فتبهر الانظار.
ولعل مجريات انتخابات المتن الفرعية بما تخللها وأعقبها
تشكل دليلاً ساطعاً على ما قلناه اعلاه. فبعدما دعا وزير
الداخلية السيد الياس المر "شخصياً" الى الانتخاب دون عازل
خلافاً للقانون، توالت الشواذات وبلغت اخيراً حد اغلاق
محطة "ام.تي.في" سنداً للمادة 68 بعدما تمادت في عرض وجهة
نظر كانت مهمشة حتى تاريخه وبكلمة اخرى في كسر الخطوط
الحمر. ومقاربة الامرين - اي الدعوة الى رفع العازل وتعطيل
"ام.تي.في" - يعطي صورة كاملة عن طبيعة النظام. ألا تشكل
الدعوة المذكورة سعياً فاجرا للتدخل في حرمات الفرد
وتجريده حتى من المساحة التي ينفرد فيها مع ذاته؟ وألا
يشكل في المقابل تعطيل "ام.تي.في" بما تمثله من وجهات نظر
مختلفة تهميشاً لشرائح واسعة من المواطنين ومنعاً لهم من
المشاركة في المساحة العامة؟ ألا يبدو النظام في كل ذلك
كأنه يريد تأميم خصوصيات الفرد بهدف احكام السيطرة عليه
وتخصيص المساحة العامة التي تصبح حكراً لحفنة من الاشخاص؟
وهذا ما يتعارض مع ركيزتي الديموقراطية الاساسية: عنيت
امرة الفرد لذاته وأمرة الجماعة في اتخاذ القرارات العامة
على قدم المساواة. هذا ما امكنني قوله عن عيوب القواعد
السائدة حالياً بشأن الاعلام الانتخابي، فلنحاول معاً
استشراف قواعد اكثر مراعاة لضرورات الديموقراطية. |