|
عن
توازن جيزيل خوري
في
"حكيم في زنزانة"
هتلر ليس رساماً فحسب!
حكـمـت الـزيــن

وسمير جعجع قائد القوات اللبنانية، ليس
حكيماً بالتأكيد... كما حاول هذا "الوثائقي" الناجح
-اعلانياً لا اعلامياً- تسويقه.
طبعاً، نجحت الاعلانية
جيزيل خوري في تحقيق سبق "اعلامي" يخدم قوى 14 شباط، لكنها
اضافت الى سجلها المهني علامة استفهام لا يبررها باي
وسيلة موقعها المحق كضحية تعرضت لفاجعة اغتيال زوجها...
لايبررها لانها تحولت بسرعة بمحاولتها الترويجية هذه، من
ضحية لاغتيال بشع، الى جلاد يسوق صورة ايجابية انتقائية عن
امير حرب في مرحلة من حياته في السجن. لقد كان من المنطقي
البوح في التسعينيات وبحق ان مشكلة جعجع ليست في سَجنه بل
في سجّانه. فهو يستحق العقاب. انما ليس وحده، بل مع امثاله
ممن ارتبكوا فظائع شبيهة في الحرب الاهلية. لقد كانت مسألة
مساواة، لاتسويات كما يحلو للبعض التوصيف تبريراً.
لابأس من وجهة نظر مهنية
بحت ان يطل اي اعلامي علينا بمراجعة لمرحلة حصرية من حياة
"شهير" اذا ما كان هذا الشهير لا لبس الى هذا الحد في سجله
الاخلاقي او السياسي. لكن تخيلو لو قدم هتلر مثلاً في
"وثائقي" على انه رسام فحسب، دون الاشارة ابداً الى
اباداته الجماعية والى التناقض الكبير بين صورته الرومنسية
وصورته الافتراسية.
ففي "وثائقي" خوري، لا
اشارات ولا اسئلة مقنعة تدل على توازن جيزيل خوري او توازن
اسئلتها عن سجون جعجع مثلاً وعن سجل الذين فقدوا في
معتقلاته ولازال اهلهم يجهلون مصيرهم! لا اشارات ولا اسئلة
عن اغتيالاته السياسية وعلاقاته بالاجهزة الاسرائيلية...
والاخطر من كل ذلك، لاندم ولا اعتذار. وفي هذا السياق لابد
من الاعتراف ان المطالبة باعتذاره دون مطالبة سواه ممن
انغمسوا في اوحال الحرب هو مطلب غير متوازن، لاسيما ان هذه
السمة المدنية –وهي الاعتذار- تغيب عن قاموس اللغة
السياسية اللبنانية بالاجمال.
هذا في التوازن الاخلاقي
ان صح التعبير... اما في التوازن الاعلامي فلا بد من
الاعتراف انه يصعب توصيف هذا "الوثائقي" لانه لايمتلك
حتماً مصداقية "الوثائقي" المحترم في توازنه. فهو لم ينقصه
الاطلالة على سجلات اخرى لجعجع لها علاقة بتاريخه السياسي
فحسب، انما ايضاً غابت عنه الاطلالة على شخصيات اخرى -غير
زوجته- لنستمع الى آراء مغايرة عن تلك المرحلة قد تسرد
تفاصيل مختلفة عن رواية جعجع في فترة اعتقاله؛ وهوالذي
انطلق كالبلبل في الحلقات المتتالية بلا اي عقبة يروي
ويروي، وبلا تدقيق، حتى من قبل محاورته التي يجدر بها اقله
ان تفعل (وهذه احدى القواعد المهنية التي تعرفها السيدة
خوري بالتأكيد، وهي ان لايتماهى المحاور مع محاوره اياً
يكن). كما اننا لم نعرف على سبيل المثال من مصدر ثالث
محايد، وهذه قاعدة مهنية اخرى لبناء اي وثائقي، رايه وسرده
للاحداث ذاتها كي نقيّم ما يحاول هذا العمل ايصاله. كل ما
سمعناه مغايراً اتى في بعد بث الحلقات في بيان اصدره محامي
اللواء السجين جميل السيد تكذيباً لبعض ما جاء في رواية
جعجع.
فهل ان هذا التركيب
التصويري مع ما جاء فيه هو "دكو-دراما" اي دراما-وثائقية
باعتبار ان جعجع اعاد تمثيل روايته؟! طبعاً لا، لان توصيفه
بالـ "دكو-دراما" هو توصيف فضفاض واوسع منه ربما. فاذا لم
يكن وثائقي ولا دراما-وثائقية، فما هو اذاً؟ قد يصح تعريفه
بـ"مادة ترويجية على شكل وثائقي." كما قد يصح وصفه على انه
"بروباغندا وثائقية"، او "تحقيق اعلاني"... المهم ان فضيحة
العمل المهنية تأتي من مسألتين: اولاً، فقدان العناصر
الموضوعية والمتوازنة كلياً حتى في ما يتعلق بالمرحلة التي
يعالجها العمل وهي مرحلة الزنزانة وحدها كما ارادها
القيمون؛ وثانياً، فقدان القيمة الاخلاقية لتعتيمه على
جانب اساسي من تاريخ جعجع السياسي.
خارج هذا التقييم المهني
لهذا العمل الذي اساء الى تاريخ سمير قصير اول ما اساء
بسبب صلة المحاورة به، والى جائزتها الصحفية بالطبع، والى
مصداقية المحطة الفضائية "العربية" التي سارعت بشكل متزن
وبعد استياء الكثير من المشاهدين العرب ومنهم الكثير من
السعوديين، الى تدارك الاشكالية المهنية-الاخلاقية
المستجدة بسبب هذا العمل من خلال اقامة حلقة متوازنة خاصة
ادارتها ميسون عزام لتقييم
"الوثقائي"
شارك فيها اربع شخصيات، خبيران
مستقلان، بالاضافة الى النائب الحالي الموالي ومساعد
المسؤول السابق لنقطة المدفون في القوات اللبنانية
–المتضمنة حاجز البربارة حيث اختفى اعداد كبيرة من
اللبنانيين- انطوان زهرة، والاعلامي المعارض المدير السابق
لقناة المنار نايف كريم الذي وصف خوري بشكل ذكي ولطيف على
انها كانت في هذا التحقيق "وفية اكثر منها مهنية"... وفية،
باشارة منه الى تاريخ خوري في المؤسسة اللبنانية للارسال
التي كانت تابعة خلال الحرب الاهلية للقوات اللبنانية...
خارج هذا التقييم
اذا، لقد اعادت الى ذهني هذه
المحاولة الوثائقية الموجهة، لاسيما في ظل هذا المناخ
السياسي المحتدم في لبنان ومكنة الاغتيالات الوحشية
المتنقلة وآخر ضحاياها الشهيد
بيارالجميل، وفي ظل المظاهرات
الحاشدة المطالبة بحكومة وحدة وطنية، مسألة دور المجتمع
المدني واسهاماته في تماسك "الوسط" المفترض اللبناني.
لقد استحضرت بعد حلقات
"حكيم في زنزانة" تمثيل سمير جعجع وتقديم جيزيل خوري،
جائزة سمير جعجع لحقوق الانسان! التي اطلقت منذ سنوات،
والتي شارك في تقديمها مرة وائل خير احد كبار الناشطين
الحقوقيين دون تردد، وهو عمل حقوقي يشبه عمل خوري الاعلامي
هذا! كما استحضرت الدعوة الاخيرة لكل من النائبين فارس
سعيد وسمير فرنجية لاقفال قناة المنار –نعم، النائبان
الديمقراطيان يدعوان الى اقفال!- ان لم تعتذر القناة عن
كلام الوزير فرنجية الذي اطلقه على شاشتها، وهو كلام معيب
ومدان فعلاً بحق البطرك صفير...
استحضرت كل ذلك لاستدرك ان
خيطاً رفيعاً يفصل بين تصرفاتنا المدنية والمذهبية،
ولاتأكد ان تصاريح المسؤولين الاميركيين عن دعمهم
التغيير"الديمقراطي" في لبنان من خلال هذه القوى
والشخصيات، وخصوصاً بعد رعايتهم لمجازر تموز 2006
الاسرائيلية، هي
تصاريح هباء بهباء. فهل يمكن ان
تقوم ديمقراطية بايادي غير ديمقراطية؟ واذا صح ذلك على قوى
الموالاة، فلما لا يصح
على قوى الاعتراض؟ وهل يمكن ان
تقوم ديمقراطية في ظل هذا التدخل الخارجي؟ اسئلة اكبر من
"الوثائقي" لكنه انتجها مشكوراً عن غير قصد، لان قصده كان
اعادة انتاج جعجع على صورة مغايرة لتاريخه. وكأن هذا العمل
كان يتوجه بدرجة رئيسية الى الجمهور المسيحي المضاد، والى
الجمهور العربي "الحليف" كما افترض
تبسيطاً القيمون على هذا العمل
المتقاطع المصالح. اسئلة عن معنى الاعتذار في مجتمع حاد
الانقسام وعن الاعلام والمجتمع المدني والديمقراطية
الموعودة ودولة القانون وعن ماهية قوى التغيير... اسئلة
تذكرنا ببلدنا الهجين دائماً.
اما سمير جعجع وجيزيل جوري
فيبدوان انهما كاغلب السياسيين والاعلاميين اللبنانيين
وربما العرب، يقتديان بمقولة محمود درويش المببرة له فقط:
"لا تعتذرعما فعلت... اعتذر عما لم تفعل".
وليرحم الله هذا البلد. |