|
رجال
الدين والصحافيون:
نقاش على الدونية
جهاد الزين
أثار
العاهل الاردني عبدالله بن الحسين موضوعا لا سابقة في
اثارته على هذا المستوى ولا بالصورة التي أثير فيها على أي
مستوى، وينبع جزء من دلالته المهمة من كون هذا الموضوع يمس
"الاجتماع السياسي" لبيئتين "مهنيتين"، واحدة قديمة راسخة
شديدة التأثير في مجتمعاتنا العربية والمسلمة، هي بيئة
رجال الدين، وثانية حديثة، مهمة في بعض بلداننا ولا أهمية
لها في بلدان اخرى هي بيئة الصحافة المكتوبة، ولكن
التطورات السياسية تزيد عدد البلدان التي تحول قطاع
الصحافة المكتوبة الى قطاع مؤثر مع اتساع النزوع
الديموقراطي على المستوى العالمي ومن ضمنه بلداننا...
خصوصا في هذه المرحلة من عالمية الضغط الاميركي... على
أنظمة العالم الثالث، هذا مع ان أهمية قطاع الاعلام المرئي
والمسموع كبيرة سواء في البلدان الديموقراطية او
الديكتاتورية.
ماذا قال
العاهل الاردني... ومرت ملاحظته دون ان يتوقف عندها كثيرون
في العالم العربي على ما أظن بعد ان نشرتها "الشرق الاوسط"
في عدد 25 آذار الجاري على الصفحة الاولى، نقلا عن لقاء
بين الملك وبعض مراسلي صحيفة "نيويورك تايمز"...
قال ان
"النظام التعليمي والامتحانات في الأردن وفي العالم العربي
يؤدي لهيمنة الطلاب الحاصلين على درجات متدنية أكاديميا
على المدارس الدينية وارسال الطلاب الحاصلين على درجات
متدنية في امتحاناتهم الى الاعلام والصحافة". واضاف [والنص
منقول حرفيا عن "الشرق الاوسط"] ان "الاردن يطور نظامه
التعليمي، ولمعالجة ذلك يحاول تطوير مهنية أجهزة الاعلام
وتشجيع الصحافة المستقلة".
الى أي
درجة هناك تطبيق لاستقلالية الصحافة في الاردن وبأي مفهوم،
هذا أمر ليس مجال معالجتنا اليوم. فضلا عن انه موضع سؤال،
لكن ملاحظة جلالته في "الاجتماع السياسي" تحتاج الى توقف.
فاذا صحت
الملاحظة، هذا يعني ان البيئة التي تتجه نحو دراسة "العلوم
الدينية" هي بيئة أفراد متواضعي الكفاءة الشخصية عموما،
يبنما "المطلوب" اذا استطعنا ان ندفع ملاحظة الملك الى
الاستنتاج التالي، هو ان نطور أنظمتنا التعليمية بحيث نشد
المواهب الشخصية الاكثر كفاءة في مجتمع نحو "السلك"
الديني.
وهذا
ينطبق ايضا، حسب ملاحظة الملك، على قطاع الاعلام والصحافة.
فخريجو هذا القطاع، على ما يمكن ان نستنتج، "متواضعو"
النتائج في الامتحانات.
أي – اذا
كانت ترجمة التصريح دقيقة – ان الطلاب غير الموهوبين
دراسيا يسيطرون على المدارس الدينية، والطلاب غير المميزين
في الامتحانات يسيطرون على كليات الصحافة!
هل هذا
صحيح في الاردن؟ والى أي حد ينطبق الأمر على العالم
العربي؟ وكيف يمكن التأكد علميا من ملاحظة الملك عبدالله
المدهشة... وهي ملاحظة من المفترض انها تصدر عن رأس الدولة
المتنور الذي يعرف عن ماذا يتحدث؟ وبالتالي فان الباحثين
التربويين معنيون بمناقشة الملاحظة الملكية وبحث حدود
دقتها وشموليتها.
أما اذا
كان رصد جلالته دقيقا فقد يعني الامر أردنيا وعربيا بين ما
يعنيه ما يلي:
1 –
البيئتان الدراسيتان المشكوك عموما بكفاءة الطاقات الشخصية
لعناصرهما الشبابية، هما بيئتان خطيرتا التأثير السياسي
على مجتمعاتنا تقليديا والآن بشكل متزايد حين يتعلق الامر
برجال الدين، وحاليا وأكثر مستقبليا حين يتعلق الامر برجال
الصحافة. فكيف يمكن عدم بحث خطورة افراز أنظمتنا التعليمية
عديمي الموهبة او المتواضعي الكفاءة الى هذين القطاعين.
(طبعا التناول تعميمي وليس فرديا، أي وجود أفراد يكسرون
الظاهرة العامة).
فالامر
المهم هنا ان الحديث يجري عن قطاعين شديدي الخطورة
السياسية (ناهيك عن المستويات الاخرى) فيما هما تقليديا،
وسيبقيان قطاعين غير منتخَبين (بفتح الخاء) في الأنظمة
الديموقراطية، اي انه لا مجال لـ"تصفية" تأثير عناصر هذين
القطاعين عبر الانتخابات، فيما رجال السياسة في البلدان
الديموقراطية خاضعون للاقتراع... كي يتمكنوا من لعب
ادوارهم. وفي بلداننا العربية، لا بد ان المستقبل يتجه في
هذا الاتجاه على المدى الابعد.
رجل
الدين يتحكم بـ"المقدس"، ورجل الصحافة يؤثر في الزمني،
وكلاهما غير منتخَب. الصحافي يستطيع، مؤسسات وافرادا عبر
المؤسسات تحويل الزمني الى مقدس بتعبئة الرأي العام. ورجل
الدين، يستطيع ان يحول المقدس الى زمني بنقله كأداة في
الصراع السياسي.
كلاهما
غير منتخَب. هذه "معضلة" لم تستطع الديموقراطيات الغربية
ان تعالج كل مداها في ما يتعلق بالصحافيين. اما في ما
يتعلق برجال الدين فقد طوقتها عبر نظام التمثيل السياسي
المبني على فصل الدين عن الدولة، حتى في دولة مبنية على
الايمان الديني مثل الولايات المتحدة الاميركية، ولكن
حكومتها علمانية تبعا لهذا الفصل.
2 – تعج
بيئة رجال الدين بشكل طبيعي بعمائم نزيهة بحكم الشحن
الاخلاقي المتصل عضويا بـ"المادة التعليمية" لكن كلما اتجه
الدين نحو السياسة المباشرة هذا يؤدي لفصل الدين عن
الاخلاق، بالمعنى العميق للكلمة. وبالتالي فان اتجاه العمل
في الشأن السياسي نفسه قد يوسع قابليات الفساد في اي بيئة.
قد يقول البعض هنا انه لا علاقة بين موضوع "الموهبة"
و"الفساد" فقد يكون الموهوب فاسدا! هذا صحيح... الا ان
الاشارة هنا تعني ان الحاجة في المجتمع الحديث، انطلاقا من
النظام التعليمي، اكثر الحاحا الى تعزيز ضوابط "توازن
الدور" لا بين السلطات الدستورية فحسب، بل بين هذه السلطات
والمجتمع في الديموقراطيات المعاصرة. وهذا مثلا نقاش يطال
– لدى غير المنتخَبين (بفتح الخاء) الجهاز القضائي اي
القضاة. والتوازن هنا، بين "النفوذ" ومستوى ممارسته
"الاخلاقية"... التي يدخل ضمنها التعسف في ممارسة
"السلطة". اعني هنا "السلطة" التي يملكها قطاع اجتماعي
خارج "الحكومة" او خارج السلطة الرسمية، مثل رجال الدين
والصحافيين والمؤسسات الصحافية.
في هذا
السياق تحضر مسألة "الفساد" بعلاقتها بـ"الكفاءة" اي
بـ"الخلل الاخلاقي" الذي ينتجه دور قطاع اجتماعي مؤثر حين
تكون سلطته اقوى من كفاءته. وللشاعر الفرنسي رينيه شار
تعبير جميل حين يقول ان "الليل يساوي اقل من سلطته".(La
nuit vaut moins que son pouvoir)
اما في
حالة الصحافة بصورة محددة، فان مسألة مكافحة الفساد، على
كل تعقيداتها، تصبح مهمة اكثر وضوحا في الممارسة اليومية
للديموقراطية، خصوصا مع اتجاه دول العالم الى ان تصبح "دول
اعلام" كلما تقدمت الديموقراطية فيها اي ان يصبح محدد
شخصيتها "السياسية" الرئيسي هو "الاعلام" (ودائما غير
المنتخَب!).
على اي
حال يجب البحث في الملاحظة الملكية حتى لا تصبح مهنة رجل
الدين وكما مهنة الصحافي، فعلا مهنة الذين لا مهنة لهم.
لقد نقل
مرة عن رجل دين معروف ان والديه ارسلاه الى الدراسة
الدينية لانه كان الاقل نجاحا في المدرسة الابتدائية. هذه
قد تكون نكتة وربما لا. لكنْ ثمة بعض ابحاث اجتماعية صدرت
في كتب حول ظاهرة المحدودية التعليمية (قياسا بمتطلبات
التعليم الحديث) للجيل الجديد من رجال الدين في احزاب...
اصولية. وبالمقابل ثمة شواهد مضادة... كتلك مثلا التي عرفت
في مصر وبعض الدول المسلمة عن سيطرة "الدينيين" على كليات
العلوم العلمية في الجامعات كالهندسة والطب... ناهيك عن
الكفاءة الشخصية التي نمت عنها تجربة رموز دينية معاصرة.
اما نحن
الصحافيين... فصورتنا، ايجابا او سلبا اوضح نسبيا!
|