|المجلة الاولى لرصد الصحافة ومراجعتها في العالم العربي|
 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
 
 

الرقابة السورية على السينما والدراما التلفزيونية
فاضل الكواكبي


ناقد ومخرج سينمائي سوري. مساعد مخرج في فيلم "الكومبارس" لنبيل المالح، ومساعد مخرج في فيلم "اللجاة" لرياض شيّا.

الرقابة على السينما السورية

عوملت السينما السورية منذ نشوئها المضطرب أواخر العشرينات من القرن الماضي بإستخفافٍ وتشدّد مفارقين، سواءً في مرحلة الإنتداب الفرنسي (حتى عام 1946)، أو في مرحلة حكومات كبار أعيان المدن والريف.

ففي المرحلة الأولى، وقفت سلطات الإنتداب بقوة ضد التجارب السينمائية الأولى تحت حجج وذرائع مختلفة. ويبدو الفيلم السوري الروائي الأول "المتهم البريء" لأيوب بدري (1928) مثالاً كلاسيكياً على ذلك. فقد منعت تلك السلطات عرضه بحجة أن مؤدية الدور السينمائي الرئيسي فيه هي "سيدة مسلمة"، وأن ظهورها على الشاشة سيثير حفيظة المجتمع المحلي المحافظ ورجال الدين- وهو الأمر الذي أجبر صانعيه على إعادة تصويره مع راقصة أجنبية مقيمة في دمشق، متكبدّين الكثير من الخسائر. كذلك عرقلت تلك السلطات عرض الفيلم الثاني "تحت سماء دمشق" لإسماعيل أنزور (1932) بحجج مختلفة. وكانت الأفلام الوثائقية الأولى المصوّرة من قبل سوريين (كنور الدين رمضان مثلاً) تتعرض لرقابة شديدة من أجل حذف كل ما يثير المشاعر الوطنية فيها؛ وفي هذا السياق نذكر الفيلم المصوّر عن جنازة إبراهيم هنانو، والفيلم المصوّر عن إستقبال الوفد السوري العائد من مفاوضات 1936.

في مرحلة الإستقلال لم تتحسن الأمور كثيراً، إذ ظلت الرقابة التابعة لوزارة الداخلية تُمارس بلا لوائح ولا قوانين وبشكل إعتباطي. كما ظلت العلاقة بالفن السينمائي علاقة متعالية ومتشددة في آن. ويبدو هذا الوضع طبيعياً في ظل سلطة الأعيان المحافظة، التي كانت ذات علاقة سيئة بالثقافة عموماً، وبالفنون خصوصاً. فقد كان رموز تلك السلطة يبدون موقفاً متشككاً من محاولات الحداثة الفكرية والثقافية ومن مختلف أشكال الإبداع الفني، فما بالك بالسينما التي كان يعتبرها هؤلاء من فنون الدرجة الثانية- فنون التسلية واللهو؟!(1)

هشاشة المشروع الحضاري لتلك الفئات إنعكست أيضاً على محاولات إنشاء صناعة سينمائية بالمعنى الإقتصادي البحت. فباستثناء محاولة يتيمة قام بها بعض المتموّلين الحلبيين لإنشاء شركة سينمائية مساهمة ضخمة (عام 1949)، لم يُقدم ممثلو "الرأسمالية الصاعدة" على التفكير بإستثمار أموالهم في أي عمل سينمائي أو فني عموماً. لذا، فإن كل الأفلام السينمائية السورية التي ظهرت حتى عام 1963 كانت عبارة عن تجارب فردية لعشاق السينما.

من ناحية أخرى، كان أديب الشيشكلي أول حاكم سوري أدرك أهمية السينما بالنسبة الى الدعاوة الإعلامية الخاصة به. فركّز على إنتاج أفلام وثائقية على شكل جريدة سينمائية تقوم بتغطية الأخبار المحلية، وكلّف الجيش بإنتاجها بدءاً من عام 1949.

أما الأفلام الروائية القليلة التي ظهرت في ذلك الحين، فقد كانت هي الأخرى تخضع لرقابة مشددة من وزارة الداخلية والسلطات المحلية. ورغم أن هذه الأفلام كانت ذات طموح فني منخفض، واقتبست القوالب الميلودرامية القدريّة السائدة للسينما المصرية، أي أنها تجاوبت بقوة مع المزاج المحافظ للسلطات، فإنها تعرضت مع ذلك لبعض المضايقات الرقابية والإدارية، كما هو حال فيلم "عابر سبيل" لأحمد عرفان (1950) مثلاً.

هكذا نرى أن سلطة الأعيان والرأسمالية الناشئة بكافة تجلياتها لم تستطع، ولم تكن تطمح أصلاً، الى أن تقوم بأي دور حقيقي في التأسيس لصناعة سينمائية. ويعود ذلك الى الإنخفاض الواضح في المستوى الثقافي لنخبها، وعدائها الشديد لتيارات الحداثة واليسار ولأي شكل من أشكال الفكر المساواتيّ، وهو ما أدى بها الى عداء تراجيكوميديّ لمختلف إنجازات النهضة الثقافية الأوروبية المنجزة في القرن العشرين.

ورغم التعددية الحزبية التي وصلت ذروتها في الخمسينيات، ورغم الحريات التي تمتعت بها الصحافة، فإن هذا لم ينعكس إيجاباً على التعبير الفني، سواءً على المستوى الكمّي أو النوعيّ، خاصةً في تجلياته التي تطلبت نوعاً من الشكل المؤسساتي- وعلى رأسها السينما والمسرح والموسيقى. وهكذا كان لا بدّ من حوامل برّانيّة/إيديولوجية تقوم مقام الحوامل الإقتصادية في نشوء صناعة سينمائية ما.

وظهرت تلك الحوامل مع ظهور أنظمة الحكم ذات الطابع الشعبوي (القومي- الإشتراكي)، إذ أُسست أول دائرة حكومية للسينما إبان الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958. كما ظهرت المؤسسة العامة للسينما بعد ثورة آذار 1963 بأشهر قليلة.

ونستطيع أن نلاحظ هنا أن الإيديولوجية الشعبوية تلك، رغم عدائها للتعددية الفكرية، إنتمت بشكل أو بآخر الى فكرة الحداثة، وهو ما دفعها الى أن تكون أول منشئ وحاضن للمؤسسات الثقافية الحقيقية. فقد ارتبط وصولها الى السلطة، سواءً في مرحلة الوحدة أو في مرحلة ما بعد 1963، بإنشاء وزارة للثقافة، ومسرح قومي، ومعاهد متوسطة وعليا للموسيقى والمسرح والفنون، ومراكز ثقافية ومكتبات في المدن والريف، وفرق فنون شعبية. كما عمدت الى تأهيل كوادر فنية عليا عبر البعثات الى الدول الأوروبية.

ولكن هذا التأسيس تزامن مع إحكام واضح للسيطرة على منابر الرأي (الصحافة)، ومع محاولات عديدة لتسخير الإعلام في خدمة الإيديولوجيا الحاكمة. فالحق أن قيام الدولة برعاية الثقافة عملية ذات مسارات متعددة ومتناقضة تختلف باختلاف التجربة الملموسة. وفي حالة سورية، نلاحظ أن الفكر الشعبوي واليساري بأطيافه، إستقطب معظم النخب المثقفة التي ساهمت مساهمة أساسية في إنشاء المؤسسات الثقافية الآنفة الذكر (وذلك بغض النظر عن إبتعاد قسم كبير من تلك النخب عن المؤسسة الرسمية، وموقفها النقدي منها فيما بعد).

لم يكن العامل الإقتصادي، إذن، بما يرتبط من آليات إنتاج وتسويق، هو العامل الأساسي في نشوء السينما السورية، بل كان العامل الأساسي عاملاً إيديولوجياً. ولكن الإيديولوجيا الحاكمة- وتلك من مفارقات التاريخ- ناطت بعد فترة قصيرة من حكمها المهمة التعبويّة/الدعاويّة بالإعلام، ولا سيما المرئي والمسموع. كما أنها لم تبلور "نظرية جمالية" خاصة بها على الطريقة الستالينية/الجدانوفيّة، الأمر الذي أنقذ الثقافة السورية- بما فيها السينما- من مغبة السقوط في مطبّ التحكم الإيديولوجي الحديدي. ويجب أن نشير هنا الى الدور الإيجابي الجوهري الذي لعبه أفراد من أصحاب القرار الثقافي، بفضل معارفهم العالية التي تمتعوا بها وتأثرهم بطيف واسع من أفكار الحداثة الأوروبية، في المساعدة على إنجاز أعمال ثقافية مهمة (أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: د. سامي الجندي، د. سامي الدروبي، د. نجاح العطار، أنطون مقدسي، حافظ الجمالي، عدنان بغجاتي، حميد مرعي، فتّيح عقلة عرسان، وغيرهم).

ولكن آلية العمل المرتبطة بالأفراد تلك، والتي كانت تنقذ بعضاً من أهم إنجازات الثقافة السورية من خطر الإلغاء، فتحت في فترات مختلفة أيضاً الباب لأفراد آخرين من الإنتهازيين/الدوغمائيين في آن، ومن ذوي المزاج الأصولي المحافظ المتستّر بالشعارات الديماغوجية. هؤلاء أوسعوا –وما زالوا- الثقافة لطماً وتحطيماً، وفرّغوا المؤسسات من قدراتها الإبداعية، محوّلين إياها الى مجرد هياكل بيروقراطية فارغة.

بالمحصّلة، أتيح للسينمائيين السوريين، عبر 39 عاماً من ظهور الإنتاج المحترف، أن يتمتعوا على الأقل بهامش واسع للتجريب الجمالي، خاصةً في النصف الأول من السبعينات وفي عقد التسعينات.

كان أول تنظيم حقيقي للرقابة قد تمّ إبان الوحدة، التي أنشأت وزارةً للثقافة وناطت بها مهام الرقابة على المصنفات الفنية. وصدر أول قانون للرقابة في سورية عام 1960 كقرار حمل الرقم 409، وهو القانون الذي ما زال قائماً الى الآن مع بعض التعديلات التنظيمية الطفيفة التي تمت حتى عام 1974. ويمكن أن نلاحظ أن القانون كان متشدداً حتى بالمقارنة مع مثيله المصري الصادر عام 1956. فمن بنوده مثلاً: "منع عرض الأفلام عندما يتبين بوضوح أنها تثير النعرات الجنسية أو الطبقية"، و"تستهين بالروابط العائلية"، و"تتضمن إثارة للغرائز الجنسية"، و"تتنافى موضوعاتها مع أخلاق الشعب العربي وتقاليده".

من الواضح أن مثل هذه التعليمات، رغم تشددها الفجّ، ذات طابع عمومي أتاح للحكومات والمسؤولين- على اختلاف توجهاتهم ومستوياتهم الثقافية- اللعب على المحظورات سواءً بترسيخ هامشها أو تضييقه. والحقيقة أن معظمهم لم يكن يبالي بالقانون في حد ذاته، بقدر ما كان يركّز على إبعاد السينمائيين عن طرق أية مواضيع تمسّ "المسلّمات الإيديولوجية" أو الهياكل الإدارية للسلطة. من هنا، ظهرت مجموعة كبيرة من التابوات الفرعية والتفصيلية، التي أدى التمسك الحرفي بها والخوف الهستيري لدى البعض من تجاوزها الى عرقلة ظهور أفلام –ومن ثم سينما- تحاكي الواقع المعاصر والمعيش، والى فرض شرطيّة ليست سينمائية على الأفلام التي ظهرت.

ولكن الثالوث الكلاسيكي للممنوعات الرقابية كان وما زال سيفاً مسلّطاً على السينمائيين، يرتفع وينخفض بحسب الظروف والأفراد. ونلاحظ أن كثيراً من أفلام المؤسسة العامة للسينما قد مُنعت من العرض العام بعد إنجازها، وهو ما يذكّر بالنموذج السوفييتي. فالفيلم السينمائي في سورية يمرّ بمراحل عدة من الناحية الرقابية: فتراقبه في البداية لجنة من مؤسسة السينما تُسمى اللجنة الفكرية، وتراقبه بعد إنجازه لجنة رقابية أخرى تابعة لوزارة الثقافة مباشرةً.

من هنا، فإن مستويات القراءة والتشدد تختلف باختلاف السويّة الثقافية والحِرَفية للمراقبين. كما أن طبيعة الفيلم السينمائي تحتّم ظهور دلالات مرئية كانت متوارية بين ثنايا النص.

مرّت رقابة السينما في سورية عموماً بمراحل تشدد وتخفّفٍ. فالمرحلة من 1971 الى 1974 شهدت إنفتاحاً نسبياً على مستويات الثالوث، وخاصة الجنس. أما المرحلة من 1975 الى 1977 فقد شهدت تشدداً في ما يخص المضمون الفكري الإيديولوجي- خاصةً ما يوحي باليسارية منه- مع إستمرار الإنقتاح في ما يخص الجنس. ولكن، ويا للمفارقة، بدا منذ عام 1977 تسامح نسبي في قضايا التوجّه الفكري، مقابل تشدّد متصاعد وصل الى ذروته في منتصف الثمانينات وأوائل التسعينات في قضايا الجنس. ويعود هذا التشدّد الى محاولة واضحة لمجاراة وإستيعاب المزاج الأصولي المنتشر إجتماعياً وفكرياً.

والغريب أن السينمائيين السوريين أنفسهم، رغم راديكاليتهم الفكرية والجمالية، ورغم تعرّضهم في أوقات مبكّرة لمقص الرقابة وتعسفها وعرقلاتها، لم يطرحوا قضية تعديل قانونها أو تخفيفها أوعقلنتها إلا في مناسبات قليلة وإستثنائية. (2) ويعود ذلك الى إنشغالهم الدائم بالدفاع عن مؤسسة السينما- المنتج الأساسي للفيلم الفني السوري- وتطوير هياكلها وقدراتها الإنتاجية، ولا سيما أنها أتاحت لهم في كثير من الأحيان تقديم رؤى فنية خالصة لم تكن تتيحها أية جهة خاصة. كما يعود هذا الإحجام الى غلبة التيمة التاريخية (حقبة الأربعينات والخمسينات) أو القومية (القضية الفلسطينية) على أفلامهم، سواءً في السبعينات أو في أفلام الموجة الجديدة التي نشأت في الثمانينات وأعطى مخرجوها مبرراً- يبدو سينمائياً- للعودة الى الماضي بتقديمهم أفلام مؤلف تتكئ بكثافة على السيرة الذاتية.

هذا الإنشغال بالماضي، رغم مبرراته السينمائية المخايلة وأشكال تناوله الطليعيّة، عبّر دوماً عن هاجس إيديولوجي في جوهره لم يستطع السينمائيون السوريون الخروج من أسره إلا لماماً. فلقد غلب التكوين الفكري الراديكالي للسينمائيين السوريين دوماً فكرة الإلتزام على فكرة حرية التعبير، رغم أنهم في الواقع الملموس إكتشفوا إرتباط الفكريين عضوياً وخاضوا- من أجل التأكيد على إلتزامهم الفكري- معارك عدة مع الرقابة، ولكنهم لم يسموا بتلك المعارك الى مستوى مطلبي حقيقي. كما لم يستطيعوا أن يربطوا بشكل عضوي بين قضايا كسر التابوهات الرقابية وحرية الخيارات الجمالية.

والأغرب من ذلك هو موقف نقاد السينما الذين أهملوا إهمالاً تاماً الحديث عن ضرورة تخفيف الرقابة وعقلنتها. بل إن بعضهم، وخاصةً في فترة الستينات والسبعينات، كان يطالب بتشديدها بحجة رفع مستوى أفلام القطاع الخاص والأفلام المستوردة. وهم بذلك يخلطون تماماً بين الرقابة كآلية وأهداف، وبين رفع المستوى الفني كمفهوم يتطلب ممارسات مختلفة تماماً عن ممارسات الرقابة التقليدية.

ويمكن التأريخ لأول صدام حقيقي بين الرقابة والسينمائيين بالفيلم الوثائقي الطويل "الحياة اليومية في قرية سورية" لعمر أميرالاي (1974)، وقد ساهم في إنجازه الراحل الكبير سعد الله ونوس. وكمنت في إنجاز هذا الفيلم جرأة كبيرة، نظراً الى ما يحتويه من نقدٍ حاد لآليات التخلف وكشف صارخ لصور الفقر. وقد مُنع الفيلم في حينها، بعد جدالات طويلة من العرض العام، ولكنه عُرض مراراً خارج القطر.

منذ ذلك الحين، تتالت الأفلام الممنوعة، ولا سيما الوثائقية. وكلها مُنعت بسبب الصورة الذاتية غير النمطية وغير الدعاويّة التي قدّمها السينمائيون للواقع. ومن أشهرهذه الأفلام: "السدّ" لهيثم حقي (1975)، و"الدجاج" لعمر أميرالاي (1977)، و"فرات" لمحمد ملص (1978)، و"اليوم وكل يوم" لأسامة محمد (1980).

أما السينما الروائية فقد كان نصيبها من المنع أقل وطأةً. وكانت الأفلام تُحجب(3) لفترات معينة ثم تُعرض بعد تغيير إداري ما، كما هو حال "السيد التقدمي" لنبيل المالح (1974)، و"كفر قاسم" لبرهان علويّة (1974)، أو كانت تُمنع من العرض التجاري العام، ولكنها تُعرض في التظاهرات والمهرجانات السينمائية المحلية والخارجية، كما هو حال "اليازرلي" لقيس الزبيدي (1974)، و"نجوم النهار" لأسامة محمد (1988)، و"اللجاة" لرياض شيّا (1995)؛ أو كان يُسمح بعرضها بعد جدالات وتدخلات عليا، كما هو حال "حادثة النصف متر" لسمير ذكرى (1980)، و"الكومبارس" لنبيل المالح (1993).

الرقابة على الدراما التلفزيونية السورية

نشأت الدراما التلفزيونية السورية من لدن التلفزيون الحكومي، الذي ظهر أيضاً إبان الوحدة السورية- المصرية عام 1960.

وقد وُضع هذا الجهاز الإعلامي منذ إنشائه تحت سيطرة حكومية حديدية، ونيطت به أخطر المهام الدعاوية وأكثرها حساسية.

رغم ذلك قدّمت الدراما التلفزيونية السورية، وخاصةً في النصف الثاني من الستينات حتى أواخر السبعينات، مجموعة من الأعمال الهامة، ضمن السقف الإبداعي الذي تتيحه صيغة المسلسلة التلفزيونية المنجزة على شريط فيديو. فقد تميزت تلك الأعمال بجرأتها الإجتماعية، وتمثّل ذلك في دفاعها عن حقوق المرأة، وفي إنتقاد المجتمع الذكوري، وفي معالجات جريئة نسبياً للعلاقات الحميمة والعاطفية. وهذا عائد الى المناخ الإجتماعي العام المتحرر والمنفتح الذي بلغ ذروته في الستينات وأوائل السبعينات، وبدأ التقهقر الحثيث أواخر السبعينات.

هذه المسلسلات جميعها كانت من إنتاج تلفزيون الدولة. والطريف أن بعضها أوقف عرضه بعد تقديم حلقات قليلة منه بضغط من الشارع المحافظ الذي صدمته جرأتها، كما هو حال مسلسل "ألوان وظلال" لهاني الروماني المقتبس عن نص للقاصّ السوري عبد العزيز هلال. والبعض الآخر إستمر عرضه بقرارات إدارية عليا، رغم إحتجاجات المشاهدين ذوي الميول المحافظة؛ ومثال ذلك مسلسل "الوسيط" لهيثم حقي المقتبس عن نص لؤي عيادة، و"أحلام منتصف الليل" لمحمد فردوس أتاسي المقتبس عن نص لرياض نعسان آغا. وكان الإصرار على إستمرار عرضها إنعكاساً لسياسات أرادت خلق نوع من التوازن بين الحداثة والمزاج المحافظ الآخذ بالنمو.

في الثمانينات بدأت تتبلور ظاهرة ما يُسمى ب "دراما النفط"، وهي المسلسلات التي تنجزها كوادر مصرية وسورية في استديوهات دبي وعجمان وأثينا بتمويل خليجي، وتكون سوقها الأساسية تلفزيونات دول الخليج العربي. منذ ذلك الحين، بدأت تسود هستيريا رقابية فرضتها تلك التلفزيونات والشركات، وظهرت قائمة من الممنوعات المتطرفة في أصوليتها، لم تكن لتخطر على بال أي مبدع عربي مارس العمل الفني منذ أوائل القرن العشرين.(4)

أما في التسعينات، ومع ظهور الفضائيات، فقد نما القطاع الخاص التلفزيوني داخل سوريا، ومُوّل أساساً من تلك الفضائيات الخليجية في معظمها. صحيح أن هذه الفضائيات- بفعل التنافس وإمتلاك بعضها لرأسمال خاص بما لا يجعلها تعبّر بشكل حرفي عن سياسات بلدانها- قد خففت من بعض المحظورات، إلا أن جبن الرأسمال التلفزيوني الخاص ورغبته في الوصول الى أكبر عدد من الشاشات، ولا سيما الشاشة السعودية الأكثر تشدداً جعلاه يستمر في الحرص على إلتزام حرفي بالممنوعات. غير أن بعض أصحاب الشركات الكبرى والمخرجين إستطاعوا أن يجدوا حلولاً مواربة لتقديم أعمال لا تلتزم بالممنوعات، ولكنها لا تمسّ جوهرها. وتمّ لهم ذلك عبر أنماط درامية مهجّنة، أشهرها ما سُمي "الفانتازيا التاريخية" (كما في أعمال نجدت أنزور مثلاً)، ومعظمها ينتمي الى الدراما التاريخية التي هي عبارة عن مجموعة من الإسقاطات الشعارية الفجّة المتسترة بعباءة الضخامة الإنتاجية والتزيين البرّاني المبالغ به، والتي تبتعد في جوهرها عن مسّ أي تابو فكري حقيقي، وتلغي أي رصد حارّ للحياة والعلاقات الحميمة للإنسان العربي المعاصر- بل إن بعضها عمد الى تزوير التاريخ بكل بساطة، إرضاءً للموصين الخليجيين.(5)

تزامن هذا مع تراجع التلفزيون الحكومي، الذي يُفترض أنه لا يلتزم بالمحظورات الخليجية، عن الإنتاج. وذلك هو عكس ما فعلته مصر، التي استمر قطاع الدولة فيها بالإنتاج، فارضاً أعمالاً تاريخية أو معاصرة ذات توجّهات يسارية أو "تقدّمية" واضحة حتى على تلك الفضائيات الخليجية.

أما الرقابة داخل سورية على تلك الأعمال قبل تصديرها (وهي لجان عدة تابعة للتلفزيون السوري)، فقد ركّزت بشكل خاص على البعد السياسي، ولا سيما في المسلسلات التي تناولت التاريخ السوري المعاصر وتحديداً فترة الخمسينات، (على سبيل المثال "خان الحرير" لهيثم حقي عن نص الروائي السوري نهاد سيريس)، وذلك رغم أن تابو تناول فترة الخمسينات قد تجاوزته السينما السورية منذ فيلم "أحلام المدينة" لمحمد ملص (1982).

الطريف أن الآلية المعقّدة للرقابة التلفزيونية على الأعمال الدرامية، قبل تصويرها ومن بعده، كان يمكن تجاوزها دوماً بأوامر إدارية عليا أو حتى بحسن العلاقات الشخصية مع الرقيب. وتعيدنا هذه المفارقة- التي تصادفنا أيضاً في آليات الرقابة على السينما، وإن كانت هذه الأخيرة أكثر عقلانية وتنوّراً- الى غياب العامل المؤسساتي الذي فُرّغت هياكله الناشئة من قدراتها على خلق تراكم، كان يمكن أن يؤدي في حالة الرقابة مثلاً الى فسح المجال أمام المبدعين للتعامل معها كمؤسسة يجب الضغط عليها لعقلنتها و"تطويرها" بإتجاه مزيد من الإنفتاح والتنوّر. أما الإتكاء على العامل الشخصي، فيمكن دائماً أن يؤدي الى إنتكاسات ويلغي فكرة التراكم الإبداعي، التي من دونها لا تتحول السينما السورية الى إنجاز ثقافي حقيقي.

* هوامش

(1) يتحدث المخرج والناقد السينمائي الرائد صلاح دهني، وهو أول سينمائي سوري أكاديمي، بالتفصيل عن المعاناة التي لاقاها هو وزملاؤه في إقناع مسؤولي حكومات الإنفصال بضرورة إنشاء مؤسسة للسينما تُعنى برفع سويّة الثقافة السينمائية وإنتاج الأفلام الجديّة ذات المستوى الفني العالي. وكان الردّ الدائم الذي تلقاه من هؤلاء المسؤولين يعبّر عن رفض قاطع لهذه الفكرة وإستخفاف بها، معتبرين رعاية السينما عملاً "لا يليق" بالدولة. (أنظر: صلاح دهني، "البداية الثانية للسينما في سورية"، الحياة السينمائية، دمشق عدد 1، 1978).

(2) المناسبة الأولى التي أشار فيها السينمائيون السوريون الى الرقابة، كانت "المؤتمر الأول التحضيري للسينمائيين السوريين" الذي انعقد عام 1977. وكانت إشارتهم شديدة الوجل، إذ أنهم طالبوا في إحدى التوصيات بِ "تعديل نظام الرقابة على الأشرطة السينمائية نظراً لقدمه وعدم تلاؤم بعض بنوده مع معطيات الواقع الموضوعي، وضرورة توسيع لجان الرقابة وإشراك السينمائيين فيها". وبالطبع، فإن التعديل على القانون لم يتم! بينما أُشرك السينمائيون في "اللجنة الفكرية" التابعة للمؤسسة، ولم يُشركوا – إلا لماماً- في لجان الوزارة الخاصة بمشاهدة الأفلام المحلية بعد إنجازها ورقابة الأفلام المستوردة. (أنظر: وثائق المؤتمر، مجلة الحياة السينمائية، دمشق، عدد 1، 1987).

أما المناسبة الثانية، فكانت ورقة عمل أصدرها السينمائيون السوريون عام 2000 ووقعها أكثر من 40 سينمائي، منهم صاحب هذه السطور، تحت عنوان "ورقة عمل حول واقع ومستقبل السينما في سورية". وفي هذه الورقة إشارة أكثر جدية وجرأة الى موضوع الرقابة، إذ يطالب السينمائيون بِ "إعادة النظر بقوانين الرقابة وآليات عملها، إن وُجدت، وتشكيل لجان رقابية متفتحة ومتنورة، يكون نصفها على الأقل من السينمائيين... على الرقابة أن تحترم الجمهور لا أن تكون وصيّة عليه، فيصبح تحديد الفئات العمرية أساس آلية عملها... إن الدفاع عن شرعية اللجان الرقابية المؤهلة أمر بالغ الأهمية، إذ يجب أن تكون بتعدديتها وكفاءتها مؤتمنة وصاحبة قرار في مجالها، لا يحق لأحد من فوقها أن يعطّل فاعليتها بقرارات إعتباطية أو شفوية... إن حرية الإبداع شرط أساسي لنشوء مناخ حوار وطني عميق ومسؤول".

(3) نستخدم هنا تعبير الحجب بدلاً من المنع، نظراً لأن معظم قرارات منع الأفلام التي اتخذتها مختلف مستويات الإدارة، كانت قرارات شفاهية بحجب عرضها. كما أن إدارات عدة إستخدمت أساليب مواربة في منع الأفلام، منها تأخير عرضها في الصالات- لسنوات- تحت حجج وذرائع "فنية" واهية.

(4) من أشهر تلك الممنوعات التفصيلية: منع تقبيل ومعانقة أي ممثل لممثلة، حتى لو كانت تلعب دور أمه أو أخته في مشهد يلتقيان فيه بعد غياب سنين؛ ومنع إغلاق باب الشقة في مشهدٍ تجتمع فيه المرأة برجل ليس محرّماً لها؛ ومنع مشهد وجود زوج وزوجة معاً في الفراش؛ ومنع التدخين؛ ومنع تناول الكحول؛ ومنع مشاهد الإحتفالات والموالد الدينية... الخ. هذا بالإضافة الى الممنوعات العامة المنطلقة من تماهٍ مع الفكر الأصولي الوهّابي والتوجّهات السياسية لأنظمة الخليج العربي.

(5) دأبت تلك المسلسلات، ومن أشهرها وآخرها "الزير سالم" لحاتم علي، المبني على نص لممدوح عدوان، على عدم الإشارة الى إنتماء الشخصيات أو القبائل العربية المسيحية الى دينها- خاصةً في الجاهلية- مظهرةً إياها كشخصيات وثنية. كما دأبت على عدم الإشارة الى الدور الذي لعبه المسيحيون العرب في الحقب التاريخية المختلفة من الحضارة العربية الإسلامية، والمزدهرة بخاصة.

* عن مجلة الآداب- العدد 7/8 تموز (يوليو)- آب (أغسطس) 2002- السنة 50

 
 

 
     
 

الصفحة الرئيسية | تقديم | المنتدى  | للإتصال بنا | إفتتاحيات | ملفات |تحقيقات | عن المهنة
 نحن في صفحاتهم | حريات الصحف | المرصد اليومي | لقاء | صور | تواريخ الصحافة
قاموس الصحافة | مواقع الصحف | أسعار الإعلانات