|
الصحافة والرقابة في سورية
حسّان عبّاس
باحث وناقد ومترجم سوري. يعمل
مدرّساً في المعهد العلمي الفرنسي بدمشق، وأحد مؤسسي منتدى
الحوار في دمشق
أنماط الرقابة
الرقابة، في حدّها الأدنى، فعلُ تعويق لحرية التعبير. وفي
حدّها الأقصى، فعلُ تعطيل لهذه الحرية. وهي في الممارسة
العملية، حق تصرّف في حق طبيعي من حقوق الإنسان تمنحه سلطة
ما لنفسها أو لمن يمثلها. وهذه الرقابة موجودة بدرجات
متفاوتة منذ وُجدت السلطة، أدينية كانت أم سياسية أم
أخلاقية. نجدها لدى أفلاطون، الذي يستبعد الشعراء من
جمهوريته ويدعو الى مراقبة "رواة الأساطير". ونجدها في
محارق الكتب، التي ما فتئت تُشعل منذ القرن الثالث قبل
الميلاد، حيث أمر الإمبراطور الصيني كين شي هيوانغ دي بحرق
كل ما كُتب قبل بداية عهده. ولم تكن آخر فنون الرقابة
دعوات شيوخ التطرف الى حرق الكتب (فعلياً أو معنوياً) حين
لا تتوافق مع محدودية عقولهم. ونجدها أخيراً، في عمليات
التشطيب والقصّ التي يقوم بها الكاتب "من تلقاء نفسه". إما
تقيّةً وتوخياً للسلامة، أو عن قناعة مغلوطة.
هذه الأشكال تختصر أنماط الرقابة التي تعانيها حرية
التعبير بشكل عام، وهي ثلاثة أنماط:
1- الرقابة الوقائية.
2- الرقابة الزجرية أو الرادعة.
3- الرقابة الذاتية.
1- الرقابة الوقائية: هي رقابة قَبليّة، تَمنع قبل الوجود.
غايتها التحكم والتفرّد بفضاء التعبير وحوامله بدءاً من
منابعه الأولى، فلا يلج ذلك الفضاء غير ما يوافق آراء
السلطة ورؤاها. أما وسيلتها الى ذلك فهي قانون مشهّر
ومكتوب، وقضاء يحاسب "بالعدل".
2- الرقابة الزجرية: وهي رقابة بَعديّة، تَمنع بعد الوجود.
غايتها التحكّم والتفرّد بفضاء التعبير أيضاً، فتتدخل في
هذا الفضاء بحثاً وتنقيباً عن مكوناته "الضارة". وتتوسل
لعملها لجاناً تقرّ وتسمح أو لا تسمح! وأجهزة أمنية
وبوليسية تحجز وتسحب من التداول، وقد تلاحق أو تعتقل.
3- الرقابة الذاتية: وهي أخطر أنواع الرقابات، إذ تحوّل
منحى تدخل الرقابة من شكله السلبي الموجّه ضد حرية التعبير
الى شكل ايجابي متسقٍ مع هذه الحرية. ومصدر هذا المظهر
المتوافق مع الحرية، أن الرقابة في هذه الحالة لا تصدر عن
هيئة منظّمة أو زاجرة خارجية، وإنما عن "أنا" الكاتب
العليا؛ فكأن الكاتب يمارسها "بكامل حريته".
ولا يخفى على أحد أن هذه الرقابة هي نتاج الرقابتين
السابقتين، وقد إستنبطتا مشاعر ومبادئ ذاتية يعمل الكاتب
ضمن حدودها.
ولما صارت الصحافة الفضاء الأساسي لممارسة حرية التعبير،
منذ أن فتحت الطباعة حدود عوالم نشر الأفكار نحو شرائح
بشرية تزداد إتساعاً، فقد ازداد إهتمام الرقابة بها، بل
صارت هي الحيّز الأمثل لمتابعة فعل هذه الرقابة بأنواعها
الثلاثة، أياً كانت جنسية الصحيفة، وأياً كان نوع الدساتير
التي تخضع لها. فليس ثمة إختلاف في عمل الرقابة من حيث
الشكل والأولويات. لكن ما يميّز تدخل الرقابة في الصحافة
في مجتمع عن مجتمع آخر هو شدة هذا التدخل، وغلبة نمطٍ على
غيره من الأنماط، ومن ثم عمق تأثير الرقابة على حرية
التعبير.
الرقابة على الصحافة في سورية قبل الإستقلال
يعود ظهور الصحافة في سورية الى أيام السلطنة العثمانية،
وتحديداً الى عام 1865 في عهد السلطان عبد العزيز. وبعد
أقل من سنتين، أي في 12 أيار 1867، أصدر الصدر الأعظم علي
باشا إعلاناً سلطانياً خاصاً بالصحافة، يشكل أول مستند
للرقابة على الصحافة السورية. ومما ورد في هذا الإعلان:
"إن الباب العالي يحتفظ لنفسه بحق التصرف بطريق إداري،
ومستقل عن سلطة القانون، تصرفاً يجريه على الصحافة
المتداولة وضد الصحف التي ترفض المبادئ التي يجب عليها أن
تستوحيها والتي هي شرط جوهري لصحافة وطنية".
يتضمن هذا النص الأسس الثلاثة التي تقوم عليها الرقابة
السلطوية، وهي:
1- إزاحة القانون عن طريق الرقيب. فالقانون الذي يصون
الملكية الفردية، ويمنع السلطة نفسها من الإعتداء عليها،
يصيبه التعطيل، فتسقط من طريق الرقيب العوائق القانونية
الرادعة.
2- مطاطية المبادئ التي تمنح السلطات حق التدخل. فالإعلان
يذكر أن ثمة "مبادئ" تستوجب الإحترام. لكن ما هي هذه
المبادئ؟ وما دام لا شيء يحددها من البداية، فما الذي يمنع
السلطة من أن تحوّلها الى صندوق باندورا تجد فيه كل ما
تريد أن يكون فيه؟
3- ربط هذه المبادئ بالمصلحة الوطنية. فالإلتزام بالمبادئ
المطاطية، التي لا يعرفها أحد غير الرقيب، واجب وطني. ومن
ثم تمكّن مخالفة تافهة لرؤى الرقيب، أن تُصعّد لتصبح جريمة
في حق الوطن.
شكّل هذا الإعلان حجر الأساس لطريق الجُلجُلة الممتد على
أكثر من قرن من الحياة الصحافية، والذي ترسم تضاريسه
تاريخاً كئيباً من الرقابة والتعطيل والمنع. ولعل أول
واقعة مورست فيها الرقابة الزجرية كانت عام 1888 عندما
أغلقت الحكومة العثمانية صحيفة "الشهباء" لعبد الرحمن
الكواكبي، بعد أن نشر في عددها الثاني خبراً قصيراً، يذكر
أن الموظف التركي المسؤول عن قبول المتطوعين في الجيش رفض
قبول المتطوعين الأرمن ما لم يبدّلوا أسماءهم المسيحية
بأسماء محمدية!
إبان العهد الحميدي، صدرت تعليمات تحدّد "المبادئ"
المستوجبة لعمل مقصّ الرقيب. وقد كانت هذه التعليمات، على
الرغم من ضيق أفقها الفاضح، خطوةً متقدمة في قوننة الرقابة
عبر رسم حدود واضحة للمسموح والممنوع، وعبر تحديد ماهية
"المبادئ" الواردة في الإعلان السلطاني، الأمر الذي يقلّص
من إحتمالات تدخل الرقابة الزجرية.
ومن هذه التعليمات على سبيل المثال، أنه "يجب على الصحف
إعلام الشعب عن صحة السلطان الغالي، وبعدئذٍ يمكنها
الكتابة عن الإنتاج الزراعي وعن الرقي التجاري والصناعي"،
و"بوجوب الحصول على موافقة مسبقة بالنشر من وزارة
المعارف"، و"وجوب عدم الإشارة الى الفقرات التي تحذفها
الرقابة، لأن في ذلك تشويشاً يترك مجالاً للتأويل من الرأي
العام"، و"لا يجوز إنتقاد الشخصيات الكبيرة الرسمية، ولا
يجوز نشر أخبار عن هزائم جيش السلطنة أوعن إنتصارات جيوش
أعدائها، أو حتى ذكر إسم أعداء السلطان...".
وفي عام 1908 أُعلن الدستور العثماني الذي أعطى إشارة
البدء للإنطلاقة الحقيقية للصحافة. فقد صدرت المئات من
الدوريات في زمن وجيز، مستفيدةً من توفر جو من الحرية
النسبية يغذيه تنافس فكري سياسي واسع. وقد تراجعت الرقابة
في ذلك العهد من دون أن تغيب تماماً. لكن نقد السلطة
الإتحادية كان يدين القسم الأكبر من الصحف، وخاصةً الصحافة
الساخرة التي رأت النور في تلك المرحلة. وكان القضاء هو
الفاصل إذا ما خرقت الصحافة قانون المطبوعات؛ أي أن
الرقابة الزجرية تراجعت الى حدٍ ما، بينما بقيت الرقابة
الوقائية محددة بالقانون. غير أن هذا الجو من التسامح لم
يعش طويلاً، إذ تشدد التعصّب الطوراني حتى بلغ ذروته مع
إعدام الوطنيين العرب ومنهم عدد كبير من الصحفيين في يوم 6
أيار 1916.
إبان الحكم العربي عرفت الصحافة السورية إزدهاراً مدهشاً.
فخلال السنتين اللتين عاشهما هذا الحكم، ظهرت في سورية خمس
وخمسون دورية، واحدة منها فقط رسمية هي "العاصمة".
وأولى الأمير فيصل إهتماماً خاصاً بالصحافة، فاجتمع رؤساء
التحرير ودعاهم الى "توجيه الرأي العام نحو تأسيس نظام
إستقلالي وطني في سورية"، والى مساعدته في التمهيد للنظام
الديمقراطي. ومنح النظام آنذاك الحرية للصحافة، فلم تعد
الرقابة سيفاً مسلطاً على رقاب الصحف والصحفيين. وقد لا
يعود ذلك الى ديمقراطية السلطة تماماً بقدر ما يكون نتيجةً
لخصوصية الوضع العام المميّز لتلك المرحلة: فالبلاد خارجة
الى حريتها وتقرير مصيرها بعد قرونٍ من الإستعمار، وهناك
سلطة وطنية تحاول بناء الدولة، وما من معارضة تفكر في
عرقلة عملها. في هذا السياق، إنحسرت الرقابتان الوقائية
والزجرية الى حدودهما الدنيا، وهيمنت الرقابة الذاتية على
أقلام الصحفيين الذين وجدوا من واجبهم مساندة السلطة في
تحقيق مشروعها الوطني.
وعلى العكس من ذلك تماماً، لم تعد الرقابة الذاتية مبررة
في عهد الإنتداب. فكانت الأقلام تنطلق بما يعتمل في أفكار
أصحابها، أكانوا أحراراً وطنيين يدافعون عن حقوق الشعب
والوطن، ويفضحون الفساد والرشوة والمحسوبيات، أم كانوا
مأجورين ينظرون بعين الرضى الى الوجود الفرنسي ويأملون منه
العطف والرأفة. ولئن شجعت الحكومات المحلية، ومن ورائها
سلطات الإنتداب، الصحف الممالئة، فإنها مارست رقابة زجرية
مستمرة. ولما كانت هذه الرقابة لا يحددها قانون ولا يمليها
عرف ثابت، فقد تباينت مفاعيلها تبعاً لشخصيات الحكام
والمندوبين الساميين ولمدى تقبلهم النقد والمساءلة.
وقد لجأت بعض السلطات الضيقة الصدر الى صياغة قوانين صحفية
ترفع فيها ما يدخل في إطار التقييمات الشخصية لصاحب الأمر
الى مستوى قانوني، أي "ترفع" الرقابة الزجرية الى مستوى
الرقابة الوقائية، مع كل ما يعنيه هذا الرفع من تقييد
لحرية التعبير. مثال ذلك "ذيل قانون الصحافة" الصادر عام
1925، والذي برر المفوض السامي إصداره بقوله: "إنه وُضع في
سورية إثر إعتداء أحد الطلاب على نائب... وهو (أي ذيل
القانون) لا يعرقل الأقلام، وإنما يلجم أفواه المتطاولين
على شخصيات الحكام والذين يطعنون للطعن فقط". وهذا ما
انتبه اليه نجيب الريّس، فكتب في جريدة "المقتبس" مقالة
جاء فيها: "نحن الصحفيين لا نريد أن تكون صحفنا تحت رحمة
الأشخاص مهما كانوا عادلين أحراراً يفهمون حرية النقد
وإباحة الكلام، بل نريد أن يكون القضاء هو الذي يعاقب
ويجازي...".
ومع تفاقم التضييق على الحريات إبان الإنتداب، وخاصةً في
سنوات الحرب العالمية الثانية، سادت الرقابة الزجرية
وحوّلت فضاء التعبير الى حقل ألغام بلا خارطة، لا يعرف
الداخل اليه أي خطوة قد تودي به الى التهلكة. وهذا ما دفع
نجيب الريّس نفسه الى القول، في كلمة ألقاها أمام المجلس
النيابي في 21-12-1944: "إن الرقابة تشتد وتبالغ في
إشتدادها، حتى أصبحت الصحافة لا تعرف ماذا تنشر وماذا
تحذف. فإما أن تأتي الحكومة بقرار تحدد فيه الممنوع على
الصحافة نشره، وإلا فإني أطالب بإلغاء الرقابة على القضايا
والشؤون الداخلية إلغاءً تاماً". وقد قرر المجلس في نهاية
جلسته ذلك اليوم إلغاء كل أشكال الرقابة على الصحف،
باستثناء الرقابة على الأخبار العسكرية.
الرقابة على الصحافة بعد الإستقلال
لم تعرف سورية خلال السنوات الست والخمسين التي عاشتها من
الإستقلال حتى اليوم سوى أربع سنوات من الديمقراطية
النسبية (1954- 1958) تمتعت فيها الصحافة بشيء من الحرية،
وحصلت فيها على طائفة من الإمتيازات. فقبل ذلك كانت
الإنقلابات العسكرية المتلاحقة تبدأ عهودها بحملة "تنظيف"
صحفية، فتلغي إمتيازات الصحف التي تشك في إمكانية تجييرها
لخدمتها، وتحافظ على الصحف المدّاحة. وبشكلٍ عام، إنتفت في
سنوات الإنقلابات روح النقد من الصحافة، وتفسير ذلك نجده
في شكل الرقابة السائدة آنذاك، فالرقابة الوقائية غائبة
غالباً لأن العمل بقانون المطبوعات معلّق؛ والرقابة
الزجرية سيف ديمقليس معلّق فوق الصحافة، وثمة عيون وأجهزة
تراقب ما يُنشر لتنزل السيف متى تريد؛ والرقابة الذاتية
مهيمنة على العقول وعلى الأقلام خوفاً من ملامسة الخطوط
الحمراء.
أما بعد الفترة الديمقراطية، فإن أبرز ما يميز تاريخ
الصحافة السورية، هو البلاغ رقم 4 بتاريخ 8-25-1963،
الصادر عن المجلس الوطني لقيادة الثورة، وينص على إيقاف
إصدار الصحف في سورية (عدا ثلاثة)، "... وتصدر بقية الصحف
بإذن مسبق من المرجع المختص في وزارة الإعلام. تتوقف
المطابع عن طبع أي نشرة إلا بإذن المرجع نفسه". ويرتبط هذا
البلاغ ببلاغ آخر صدر في الوقت عينه وفي الظروف ذاتها، وهو
البلاغ رقم 2 الذي يعلن حالة الطوارئ في البلاد. وهذا يعني
في ما يعنيه تعليق القوانين السائدة، ومن جملتها قانون
المطبوعات القديم (1949)، أي أن الرقابة الوقائية لم تعد
مثبتة في قانون، ومن ثم لم يعد هناك معيار واضح للمحاسبة
على ما يُكتب أو يُنشر سوى المعيار الذي يراه المرجع
المخوّل منح الإذن للطباعة والنشر- أي وزارة الإعلام. وهذا
المرجع، في الواقع الملموس على الأقل، لا ضابط لحدود
رقابته. ولا سبيل أمام الكتّاب والصحفيين وغيرهم من
العاملين بالقلم، لإكتشاف المسموح والممنوع، إلا التجريب.
لكن حتى مع التجريب المستمر والخبرة، لا يستطيع هؤلاء أن
يصلوا الى رسم حدود تدخّل الرقابة. وهذا ما لم يكن هناك
مهرب منه ما دامت الرقابة الوقائية قد عُلّقت بفعل البلاغ
رقم 2، وما دامت الرقابة الزجرية قد أُطلقت بفعل البلاغ
رقم 4.
قانون الرقابة الجديد: ليته لم يصدر!
لقد كان تاريخ الرقابة السورية في العقود الأربعة
المنصرمة، مترعاً بوقائع تظهر مدى مطاطية الرقابة الزجرية
ومدى تخبّط قراراتها نتيجةً لغياب المعيار الواضح كما
ذكرنا. وكان من الضروري، إستصدار قانون للمطبوعات يحلّ محل
القانون المعطّل، ويقلّص الى أقصى الحدود الممكنة سلطة
الرقابة الزجرية. وقد إنتظر العاملون بالفكر والقلم في
سورية سنواتٍ طويلة وهم يأملون رؤية قانون جديد للمطبوعات
يقيّد الرقابة ويحترم حرية الصحافة وحرية التعبير بشكل
عام. وبالفعل، صدر هذا القانون أخيراً في 23 أيلول 2001
بالمرسوم التشريعي رقم 50، لكنه لم يأتِ مطلقاً بما يشتهيه
منتظروه، بل ربما تمنّت غالبيتهم لو لم يصدر أبداً.
فالقانون الجديد، بدلاً من أن يزيل الغموض عن عمل اللجان
الرقابية الممارسة للرقابة الزجرية، وبدلاً من أن يحدد
المعايير التي يمكن للرقابة الوقائية أن تحاسب فانونياً
على أساسها، لجأ الى تعابير فضفاضة هي نفسها التي كانت
الرقابة الزجرية تحتمي تحت مظلتها لتتدخل في المكتوب أو
المنشور.
وبدلاً من أن يزيل القانون الجديد، أو أن يقلّص على الأقل،
من مطاطية الرقابة وأن يجلو غموضها، رفع هذا الغموض وتلك
المطاطية الى مستوى القانون. فأساء بذلك مرتين: مرة الى
حرية التعبير وحرية الصحافة، ومرة الى القانون نفسه الذي
لا يحتمل إضطراب المعايير.
فهذا القانون يذكر مثلاً في المادة 12 أن:"لرئيس مجلس
الوزراء حق رفض منح الرخصة (بإصدار مطبوعة دورية) لأسباب
تتعلق بالمصلحة العامة، يعود تقديرها اليه". إن القانون في
هذه المادة نص منغلق على نفسه، قدسيّ البناء، لا سبيل الى
معرفة معاييره، لأن رئيس مجلس الوزراء هو –وحده- من يقدّر
ما يتعلق بالمصلحة العامة. أي أن القانون يعتبر رئيس
الوزراء معصوماً لا يجانب الصواب في تقدير المصلحة
العامة... مع العلم أن تاريخ سورية الحديث جداً يثبت مدى
بعد أحد رؤساء الوزراء السابقين عن الصواب!
ويذكر القانون أيضاً في المادة 51 عدداً من الحالات التي
تستوجب العقوبة، منها مثلاً: نقل الأخبار غير الصحيحة،
والنيل من هيبة الدولة أو مسّ كرامتها، أو مسّ الوحدة
الوطنية، وإلحاق ضرر بالإقتصاد الوطني وسلامة النقد. ومن
الواضح أن هذه التعابير لا ترجع الى وقائع أو أفعال واضحة
وقابلة للإثبات دوماً، وإنما هي تعابير فضفاضة يمكن للسلطة
أن تُدخل ما تريد أن تدخله تحت غطائها. فإذا قررت السلطة
مثلاً أن خبراً ما غير صحيح، فمن يمكنه أن يثبت عكس ذلك؟
وإذا اعتبرت الدولة أن كرامتها قد مُسّت، فمن الذي يستطيع
أن يثبت أن الدولة على خطأ، ما دمنا عاجزين عن إختراع
مقياس زئبقي للكرامة؟ أولا يمكن للدولة أن تعتبر كل نص
نقدي لممارسة أي جهاز من أجهزتها نيلاً من هيبتها. وما
الضامن أن تكون "نيّة" الدولة دائماً صافية في هذا
الإعتبار؟
وفضلاً عن ذلك، فقد رفع القانون الجديد سقف العقوبات
والغرامات، فبعد أن كان الف ليرة صار مليون ليرة.
وقد تكون هذه الزيادة مفهومة في ظل إنخفاض النقد خلال
الزمن الجاري بين قانون المطبوعات الأخير والقانون الجديد،
لكن هل انخفضت أيضاً قيمة عمر الصحفيين حتى يُرفع سقف
العقوبات من سنة سجن الى ثلاث سنوات؟!
إن الإتجاه الذي سلكه واضعو القانون الجديد في ما يخص
قوننة الرقابة، سيؤدي على الأرجح الى نتيجتين ثقيلتي الوطء
على حرية التعبير.
النتيجة الأولى، هي تعميق مفاعيل الرقابة الذاتية، إذ لا
شك أن الصحفيين سيفكرون مراتٍ ومرات في كل كلمة يريدون
كتابتها قبل أن يفعلوا، لأن أوضاعهم الوظيفية والإجتماعية
والإقتصادية لا تشجعهم على المخاطرة بإثارة الرقيب. الأمر
الذي يعني تحمّل الجزاء القاسي الذي توعّدهم به القانون،
أو ذاك الذي قد يُمارس ضدهم في المؤسسات الصحفية وغير
الصحفية التي يعملون فيها.
وفي ندوة حول الصحافة السورية إلتأمت في أحد المنتديات منذ
فترة قصيرة، علّق صحفي بارز على موضوع الرقابة الذاتية
قائلاً:"إننا نحن الصحفيين، نعيد قراءة نصوصنا عشر مرات:
تسعاً منها للتأكد من أننا لا نلامس الخطوط الحمراء،
وواحدة للتأكد من جودة كتابتنا". وهذا الوضع يخلق بالتأكيد
حالاً من التلاعب بالحقيقة يَنُوس بين التقيّة والنفاق.
ويكفي للتأكد من ذلك مقارنة ما يكتبه الصحفيون بما يقولونه
في مجالسهم الخاصة!
النتيجة الثانية، هي إطلاق يد الرقابة الزجرية. فعندما
يشرّع القانون مطاطية المعايير وإضطراب الأحكام، تجد
الرقابة الزجرية- المتميزة أصلاً بهاتين الصفتين- مرتعاً
خصباً لها، محميةً بهذا القانون. وما زالت الممارسات
الرقابية الرادعة تُرى في الحياة اليومية السورية،
والأمثلة على ذلك أكثر من أن تُحصى:
يقوم صحفي أو كاتب مثلاً، بإرسال مادة الى صحيفة، فترفضها
لمضمونها، فتقوم صحيفة أخرى بنشرها... علماً أنه من
المفترض أن تحكم المعايير نفسها كل الصحف الرسمية
بالتساوي. وأحياناً تصل هذه الممارسة الغريبة حدّ
المفارقة، فترى صحيفة مثلاً توقف نصاً لاحتوائه على ما يرى
الرقيب أنه يستوجب المنع، ثم ترى الصحيفة نفسها تعود وتنشر
نصاً بالمحتوى نفسه بعد عدة أعداد. ومن الأمثلة على ذلك،
أن إحدى الصحف فتحت صفحاتها عدة أسابيع لمناقشة مسألة
"المجتمع المدني"، واستمرت هذه "الضيافة" مدة إستقرار رئيس
تحريرها المجدّد، فما إن أُعفي من مسؤولياته فيها واستلم
رئيس تحرير جديد مكانه، حتى صار تعبير "المجتمع المدني"
تابواً يُحرّم التعامل معه، حتى لو كان النص عن المجتمع
المدني في الصين.
أما في ما يخص الثقافة، فإن مظلة الرقابة الزجرية أوسع وهي
تطول بشكل خاص كل ما له علاقة بالدين والجنس، حتى إن كلمات
بعينها (مثل "الوهية" و"نبوءة" و"مثليّة جنسية"،
و"شبقية")، تُشطب رغم أنها مصطلحات علمية تتمتع بشيء من
"الحصانة".
ولئن كانت هذه الممارسات الزجرية تجري في إطار المؤسسة
ذاتها (أو ما يُسمى بمطبخ الصحيفة)، فثمة ممارسات أخرى
تجري تقريباً أمام الملأ. فمنذ أسابيع قليلة مثلاً وُزّعت،
ظهراً، يومية عربية تصدر في لندن. وبعد أقل من ساعتين،
دارت سيارات حكومية على أكشاك الصحف بحثاً عن الأعداد
المتبقية، لأن مصدراً رقابياً أعلى من المصدر الذي سمح
بتداول العدد وجد فيه لحظة وصوله الى يده مقطعاً أو جملةً
لم ترُقه، فأمر بسحب العدد من الأسواق.
وهذا ما حصل أيضاً، مع جريدة "النور" الأسبوعية، وهي جريدة
الحزب الشيوعي السوري الذي أفاد من القانون القاضي بالسماح
لأحزاب "الجبهة" بإصدار صحافتها الخاصة. فبعد أن وُزّع عدد
يوم 26 أيار 2002 صباحاً، سُحب من الأسواق بعد الظهر،
والسبب في ذلك أن النسخة الأولى تحمل رسماً كاريكاتورياً
أقل خدشاً لكرامة الرقيب.
والشيء نفسه تقريباً جرى مرتين مع صحيفة "الدومري"، التي
تقدم أنموذجاً للإنفتاح الإعلامي. المرة الأولى كانت مع
العدد الأول، وهو العدد الذي لم يرَ الناس سوى نسخة محسّنة
منه (حسب منظور الرقابة)، أو نسخة مشوّهة منه (حسب منظور
حرية التعبير). فقد ظهر العدد، بعد أن غُيّرت الصفحة
الرابعة منه، وكانت تحمل مقالة بعنوان "رحلة الى بلاد
شفافستان"، بقلم عضو أسرة التحرير نجم الدين السمّان. ولم
يكتفِ الرقيب وقتها بحذف المقالة، بل حذف إسم كاتبها من
أسرة التحرير. وأما المرة الثانية، فكانت مع العدد السادس
عشر تاريخ 18-6-2001 الذي تأخر عن النزول الى الأكشاك،
والسبب هو أن الصحيفة أدرجت على صفحتيها السادسة والعاشرة
مقالتين تتعلقان بالإشاعات السائدة آنذاك عن التغيير
الوزاري. إلا أن "الرقيب الخفيّ" لم يستسغ المقالتين،
فاضطر أصحاب الصحيفة الى إعادة طبع الصفحتين المارقتين،
بعد أن وضعوا على كامل الصفحتين رسمين ساخرين عن الرقابة.
وبالخلاصة، فإن تاريخ الصحافة السورية مشدود بوثاق متين
الى تاريخ الرقابة. وهي تارةً رقابة قانونية وقائية،
وطوراً رقابة زجرية لا حدود لها. ولكنها، في جميع الأحوال،
رقابة ذاتية تدفع بالكثيرين من أهل الفكر والقلم الى الصمت
أو التقيّة أو الهجرة.
* عن مجلة الآداب- العدد 7/8 تموز (يوليو)- آب (أغسطس)
2002- السنة 50. |