|
الغناء والمعازف في
الاعلام المعاصر
وحكمهما في الاسلام
ألقى الباحث الاسلامي الدكتور محمد المرعشلي المحاضر في
جامعة الامام الاوزاعي للدراسات الاسلامية والمعهد العالي
للدراسات الاسلامية في بيروت محاضرة بعنوان "الغناء
والمعازف وحكمهما في الاسلام" في قاعة جامع السلطان محمد
الفاتح بدعوة من مؤسسة " ابداعات " تناول فيها بالشرح
والتوضيح موضوع الغناء والمعازف في وسائل الاعلام المعاصرة
وحدود الحلال والحرام فيها ، ومما قاله :
خطورة الغناء المحرم في وسائل الإعلام المعاصرة:
تتمثل هذه الخطورة في تعطيل مقاصد الشريعة الاسلامية بحفظ
الضروريات وهي خمسة ؛ الدين، النفس، المال، العقل، العرض،
والتي اذا اختلت فسدت الحياة.
ومن مظاهر هذا الغناء المحرم:
- انتشار بعض الأغاني التي فيها كفر (مما يمس العقيدة)
- التسبب بالانتحار وجرائم القتل والخطف بسبب الثروات
الطائلة للمغنين (واول مقاصد الشريعة الاسلامية هو حفظ
الحياة)
- تناول المخدرات (عباد الشيطان) فتعطل العقل والفكر.
- الدعوة الى شرب الخمر ، واثارة الغرائز، والزنا والسفاح
وهتك الأعراض
- الصد عن ذكر الله باللهو فتسبب الغفلة وترك العبادات،
وشعائر الدين
- افساد الحياة: بدعوة الأغاني المحرمة الى الهوى فتفسد
الحياة وقد قال الله تعالى :﴿ وأما من خاف مقام ربه نهى
النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى﴾ [النازعات 40-41]،
وقال تعالى:﴿ ولو اتبع الحق اهواءهم لفسدت السموات والأرض
ومن فيهن﴾ [المؤمنون :6] .
- هدر الاموال: حيث ان ما يجنيه مغن واحد في حفلة واحدة لا
يستطيع ان يجمعه مصلح وعالم في سنة، ثم ان ماله خبيث وحرام
وقد قال صلى الله عليه وسلم :"لا يدخل الجنة لحم نبت من
السحت "
- الدعوة الى لعب النرد (الطاولة) وهذا حرام لقوله صلى
الله عليه وسلم "من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله" أخرجه
مالك.
- هجر القرآن الكريم: وهو المصدر الأول للتشريع الاسلامي ،
انهاالغفلة بحب الدنيا، حتى صار الواحد منا يدرك وجود ميت
عند سماع القرآن بين جيرانه وأهله﴿ وقال الرسول يا رب ان
قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً﴾[الفرقان:30]، وقد قال صلى
الله عليه وسلم "ان الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت
الخرب" رواه الترمذي، وقوله في حديث مسلم "ان الله يرفع
بهذا الكتاب قوماً ويضع آخرين" وقد قال سيدنا عثمان :
والله لو طهرت قلوبنا ما شبعت من كلام ربنا" كما رواه
البيهقي في الاسماء والصفات وأحمد في الزهد.
- النفاق : حيث ان الغناء الماجن ينبت النفاق في القلب
ويملؤه بالامراض كالجحود والانكار والعجب والكبر وقد قال
الامام أحمد عندما سئل عن الغناء ، قال: "لا يعجبني لأنه
ينبت النفاق" ، وقد فسر الرسول صلى الله عليه وسلم آية
المنافق ومنها : اذا حدّث كذب"
- الكذب: وليس هناك أكذب من الشعر الحرام الذي ذمه الله
بقوله عندما ذكر على من تنزل الشياطين ، قال :﴿هل أنبّئكم
على من تنزل الشياطين* تنزل على كل أفاك أثيم*يلقون السمع
وأكثرهم كاذبون* والشعراء (وهنا الشاهد) يتبعهم الغاوون*
ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون* وأنهم يقولون ما لا
يفعلون* إلا الذين آمنوا وعملو الصالحات وذكروا الله كثيرا
وانتصروا من بعدما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب
ينقلبون﴾ [الشعراء:21-27]، والعاقل يتأمل ألقاب المطربين
والنجوم فيدرك كم هم بعيدون عن خالقهم ورازقهم، وأين منهم
نجم سيدنا خالد بن الوليد سيف الله المسلول .
أهداف الغناء المحرم:
وهي أهداف واضحة ومكشوفة ، وتكمن في تخدير العالم الاسلامي
واغراقه في الشهوات ، حتى ينحرف عن دوره في مواجهة الاخطار
المحدقة به منذ عقود من الزمن.
ولا نبالغ اذا قلنا ان أكثر من (95)% من وسائل الاعلام
المسموعة والمرئية والالكترونية تبث هذه المنكرات والفواحش
(طبعاً باستثناء الاذاعات الدينية) .
فقدان التخطيط الاعلامي:
وتجدر الاشارة الى فقدان التخطيط الاعلامي الهادف والمدروس
والواضح ، وتتمثل الخطة الاعلامية بالمراحل التالية:
1- تحديد الهدف
2- استقراء الواقع
3- وضع الخطة
4- تنفيذ الخطة
5- التقييم والمحاسبة
فالاعلام الرسمي هو صورة للنظام ونحن نفتقد للنظام
الاسلامي عقيدة وعبادة وتشريعات وقوانين ، وثمة ملاحظات
تدور حول هذا الموضوع منها:
1- ان الغناء اليوم قد اجتاح الناس في بيوتهم وأعمالهم ،
بسبب ثورة الاتصالات العجيبة، بينما كان سامعه يختار
مجالسه في الماضي بارادته.
2- ان الآلات الموسيقية (المعازف) بأنواعها الثلاث (نفخ،
وتر، ضرب) صارت اليوم الكترونية (بكبسة زر واحدة)
3- لم تعرف الجزيرة العربية زمن الرسول صلى الله عليه وسلم
لم تعرف سوى الدف في الاعراس والختان، والطبل للجهاد، ثم
دخلت بقية الالات مع الفتوحات الاسلامية مثل البربط،
والجنك، واللور، والمستق وغيرها في العصر الاموي ثم
العباسي وكذلك المخنثين .
4- ان موضوع الغناء والمعازف هو من أشد المواضيع التي
اختلف فيها القدماء والمعاصرون .
*- كلمة حول الخلاف:
الخلاف من الاختلاف ، وهو ضد الاتفاق، ومن مسؤولية الباحث
في الفقه الاسلامي الاطلاع على الخلاف، وتقديره حق قدره،
فإن من لم يعرف الخلاف ليس في الحقيقة بعالم، ولهذا يقول
قتادة – رحمه الله تعالى- "من لا يعرف الاختلاف لم يشم
الفقه بأنفه"، ويقول سعيد بن ابي عروبة – رحمه الله تعالى-
"من لم يسمع الاختلاف فلا تعدوه عالما" .
وذلك ان الجهل بالخلاف قد يؤدي الى رد بعض الحق الذي لا
يعلمه، اذ الحق غير منحصر في قول فرد من العلماء كائناً من
كان. ولذلك روي عن عثمان بن عطاء عن ابيه قوله:"لا ينبغي
لأحد أن يفتي الناس حتى يكون عالماً باختلاف الناس، فانه
ان لم يكن كذلك رد من العلم ما هو أوثق من الذي في يديه"
وجهل المرء بالخلاف يجرئه على ترجيح ما ليس براجح،
واستسهال أمر الفتيا والتحليل بمجرد ان يطلع على نص في
الموضوع دون أن يبحث هل ثمة نصوص أخرى تخصصه أو تنسخه أو
تقيده. وهذا مدعاة الى الفوضى التي لا نهاية لها، والى
اثارة الفتنة في صفوف الناس الذين لا يطيقون كثرة التنقل
من قول الى قول ، ومن رأي الى رأي، خاصة اذا كان مع كل قول
دليل، وهذا أمر مشاهد ملموس ينبغي التنبه اليه، ولذلك كان
التابعي الجليل أيوب السختياني-رحمه الله تعالى- يقول:"
أجسر الناس على الفتيا أقلهم علماً باختلاف العلماء، وأمسك
الناس عن الفتيا أعلمهم باختلاف العلماء" .
أدلة المانعين :
وبعدما بيّنا خطورة الغناء المحرم نذكر أهم العلماء
المانعين ومنهم؛ . الامام ابن الجوزي (597هـ) في كتابه
(تلبيس ابليس)
. شيخ الاسلام ابن تيمية (ت728هـ ) وله (رسالة في الرقص
والسماع)
. الامام ابن القيم (ت751هـ) في مدارج السالكين
. الامام ابن حجر الهيثمي (ت974هـ) وله رسالة (كف الرعاع
عن محرمات اللهو والسماع)
. الشوكاني (ت1250هـ) وله رسالة (ابطال دعوى الاجماع على
تحريم مطلق السماع) .
* الشعر أصل الغناء : قال اللغويون : الغناء ككساء من
الصوت ، ما طرّب به وغناه الشعر، وغناه به تغنية: تغنى به.
ومن المعلوم أن الشعر هو كلامٌ موزونٌ (له أوزان عروضية) ،
مقفى (له قافية) .
وهو قسمان :
- الشعر المباح : وهو ما خلا من فحش ومنكرات عند الجنسين
وهو خمسة أقسام : كوصف الكون أولاً، وشعر الحجيج ثانياً،
وأشعار الزهد ثالثاً(كقصيدة الامام السهيلي؛ يا من يرى في
الضمير ويسمع...) ، والآداب والفضائل ، وقصيدة البردة
للامام البوصيري، أشعار العرس رابعاً (أتيناكم أتيناكم..)
حديث رواه أحمد، وأشعار الجهاد خامساً وأخيراً، كأشعار ابن
رواحة زمن الرسول صلى الله عليه وسلم.
- الشعر الحرام: وفيه دعوة الى الفجور والرذيلة وهو خمسة
أقسام أيضاً :
1 - اشعار النياحة على الاموات (مع التسخط على رب الارض
والسماء)
2 - اشعار السب والهجاء والاعتراض على القدر (كقولهم قدرٌ
أحمق الخطا)
3 - اشعار المدح والفخر (ما لم تكن لمصلحة شرعية)
4 - أشعار تشبيه الخالق بالمخلوق كقولهم للخليفة الفاطمي
العلوي:
ما شئتَ لا ما شاءت الاقدار واحكم فأنت الواحد القهار
5 - أشعار الغناء الماجن كقولهم : بطّلت صوم وصلي بدي
اعـبد سمـاك
وعالجنة مني رايح وعجهنم رايح واراك
وقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشعر الحرام
فقال في الحديث المتفق عليه:"لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحاً
وصديداً حتى يريه (أي يأكل القيح جوفه) خيرٌ له من أن
يمتلىء شعراً"(أي من الشعر المحرم) .
واذا قال الانسان بيتاً من الشعر الحرام بعد صلاة العشاء
الآخرة لن تقبل له صلاة تلك الليلة ، قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: " من قرض بيت شعر(أي من النوع المحرم) بعد
صلاة العشاء الآخرة لن تقبل له صلاة تلك الليلة " رواه
أحمد والبزار والطبراني.
كما أن البسملة لا تكتب في بداية دواوين الشعر المذموم .
دلائل تحريم الغناء (الغناء المحرم) :
وهي من القرآن والسنة وفعل الصحابة واقوال الفقهاء والحكام
:
أولاً: في القرآن ومنها :
1- سورة لقمان ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن
سبيل الله بغير علم ويتخذها هزواً أولئك لهم عذابٌ مهين *
واذا تتلى عليهم آياتنا ولّى مستكبراً كأن لم يسمعها كأن
في أذنيه وقراً فبشره بعذاب أليم﴾ [لقمان: 6-7]. أقسم
الصحابي ابن مسعود ثلاث مرات أنه الغناء .
2- سورة النجم :﴿ أفمن هذا الحديث تعجبون*وتضحكون ولا
تبكون*وأنتم سامدون﴾ [النجم : 59-61]، قال المفسرون
السمود: هو الغناء بلغة حِمير.
3- سورة الاسراء : ﴿ واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب
عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الاموال والاولاد وعدهم وما
يعدهم الشيطان إلا غرورا﴾ [الاسراء:64]. (خطاب لابليس) ،
ما صوت الشيطان ؟ قال مجاهد: اللهو واللعب، وقال القرطبي:
الغناء والمزامير واللهو الباطل، وقال ابن عباس : كل داعٍ
الى معصية الله. وهناك حديث زمارة الراعي، فعن نافع قال :"
كنت مع ابن عمر، فسمع زمارة راعٍ فعدل عن الطريق فأدخل
يديه في أذنيه ثم قال: يا نافع هل تسمع؟ قلت: لا ، فأخرج
يديه من أذنيه ، ثم قال : يا نافع ، هكذا رأيت رسول الله
صلى الله عليه وسلم فعل" حديث حسن .
4- سورة الأنفال : ﴿ وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء
وتصدية﴾ [سورة الأنفال:35]، قال المفسرون : المكاء
الصّفير، التصدية: التصفيق.
5- سورة الجمعة: ﴿ واذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا اليها﴾
[الجمعة:11]، قال المفسرون : اللهو معناه الطبل.
ثانياً : تحريم المعازف في السنة النبوية :
وأهمها حديث البخاري (ليكونن من أمتي أقوامٌ يستحلون الحِر
(الفروج) والحرير والخمر والمعازف...) الحديث، وقد دندن
ابن حزم حول هذا الحديث بأنه معلق ورد عليه العلماء ومنهم
الحافظ ابن حجر في كتابه (تغليق التعليق) .وهناك أحاديث
كثيرة تدور حول شرب الخمور والمسخ وضرب المعازف
ثالثاً تحريمه عند الصحابة:
كقول سيدنا عثمان "والله ما تغنّيت ولا تمنّيت..."
رابعاً : أقوال الفقهاء:
أما الفقهاء الأربعة فشددوا النكير على الغناء المحرم كما
فعل الامام الشافعي في كتابه "الام" حيث قال : هو من اللهو
المكروه والباطل وكذلك فعل الامام أبو حنيفة ومالك وأحمد .
خامساً : تحريمه عند الحكام :
كما قال يزيد بن وليد وهو آخر حكام بني أمية :"يا بني أمية
اياكم والغناء، فإنه ينقص الحياء، ويهدم المروءة، ويزيد في
الشهوة، وينوب عن الخمر، ويفعل ما يفعله السكر.
الغناء المباح
وبعد، فهذا الغناء الذي عمّ وطمّ في وسائل الاعلام اليوم ،
الذي لا يقول باباحته عاقلٌ، فضلاً عن عالم، لكن هل هذا
يعني أن الغناء حرام على الاطلاق في الاسلام؟ وأن الناس
تأثم بسماع أي أغنية ونشيد مهما كانت أم أن هناك تفصيل في
المسألة؟ وهذه مسألة دقيقة.
والجواب أن هناك فريقاً من العلماء أجازوا نوعاً محدداً من
الغناء بما يسمى الضوابط الشرعية وعلى رأس هؤلاء ؛
أبو طالب المكي (ت386هـ) في كتابه قوت القلوب
الامام ابن حزم الظاهري (ت456هـ) في المحلى
الامام الغزالي (ت505هـ) في الاحياء (احياء علوم الدين)
ابن القيسراني (ت507هـ) في كتابه (السماع)
القاضي أبو بكر ابن العربي المالكي (ت543هـ) في كتابه
(أحكام القرآن) .
سلطان العلماء العز بن عبد السلام الشافعي (ت660هـ) في
كتابه (قواعد الاحكام) .
الامام عبد الغني النابلسي (ت1143هـ) في كتابه (ايضاح
الدلالات في سماع الالات)
والامام الشوكاني(ت1250هـ) وعنوان كتابه (ابطال دعوى
الاجماع على تحريم مطلق السماع)
دلائل المجيزين :
واستدل المجيزون أيضاً بآيات قرآنية وأحاديث وأقوال
الصحابة والتابعين.
فقوله تعالى ﴿يزيد في الخلق ما يشاء﴾[فاطر:1]، قال
المفسرون : هو الصوت الحسن .
واستدلوا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم بحُداء الابل
(أي الغناء للإبل في الصحراء) وقوله لأنجشة رفقاً
بالقوارير، وبنشيد الاعراب وهو النصب، وجمال الصوت في
القرآن الكريم والآذان – وقد كان بلال ندي الصوت- واباحة
اصوات الطيور بالاجماع، والتغني بالقرآن عند التلاوة
كالحديث الصحيح: "زينوا القرآن بأصواتكم" كما استدلوا
بأحاديث النبي الصحيحة باباحة الغناء في المناسبات كالعيد
والعرس.
وذكروا شعراء الرسول صلى الله عليه وسلم ومنهم حسان بن
ثابت وقوله له صلى الله عليه وسلم "اهجهم-اي اهج الكفار-
وجبريل معك" ، كما أقر صلى الله عليه وسلم لاميّة كعب بن
زهير (بانت سعاد) وأشعار عبد الله بن رواحة.
وقد ذكر الشوكاني جماعة من الصحابة رُوي عنهم الغناء كعمر
بن الخطاب وعثمان وعمرو بن العاص وسعد بن البراء ، والبراء
بن مالك "الذي لو أقسم على الله لأبرّه"، فما الحكم الصحيح
في المسألة إذاً ؟
الجواب أن كل ما ذكر في الاباحة هو مما يتوافق مع مقاصد
الشريعة بحفظ الضروريات ، وهي خمسة أمور: الدين، النفس،
والعقل، والمال، والعرض، إذ ان كل ما ذكر في التحريم هو
مقيد بالفجور والخمور والتشبيب بالنساء والنفاق والزنا،
فاذا خرج عن ذلك ؟ فيكون حلالاً...
فاللهو والترفيه مروّحٌ للقلب ، مخففٌ أعباء الفكر، ولهذا
قال صلى الله عليه وسلم لحنظلة – وكان من كتاب النبي صلى
الله عليه وسلم- يا حنظلة ساعةً وساعة، ساعة وساعة، ساعة
وساعة (قالها ثلاثاً) .
فالاسلام دين الواقعية والفطرة، قال صلى الله عليه وسلم
يوم عيد لعب السودان: "لتعلم اليهود ان في ديننا فسحة، اني
بعثت بحنيفيّةٍ سمحة" وهذا يعني ان في الاسلام أوقات للهو
والترفيه.
ومن ألوان اللهو المشروع : ملاعبة الرجل زوجته، وتأديبه
فرسه، وركوب الخيل، والرماية، والسباحة، ومسابقة العدو،
والمزاح واللعب بالحراب، والصيد الا بحالة الاحرام
وبشروط...
ولا يصح ان يعامل الناس وكأنهم ملائكة أولوا أجنحة مثنى
وثلاث ورباع، بل عاملهم الاسلام كبشر يأكلون الطعام ويمشون
في الاسواق، وكانت حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم
مثالاً رائعاً للحياة الانسانية المتكاملة.
ففي خلوته يصلي ويطيل الخشوع والبكاء حتى تتورم قدماه،
ولكنه مع الحياة والناس بشر سوي يحب الطيبات يبشّ ويبتسم
ويداعب ويمزح ويُطالب بالغناء في الاعراس ولا يقول الا
حقاً.
وأمثلة مزاحه كثيرة، كقوله للغلام: ما فعل النغير يا أبا
عمير؟ (ويقصد الطائر الذي مات بين يدي الغلام) .
والشرائع لا تقضي على الغرائز بل تنظمها وفق قاعدة الوسطية
في الاسلام، اذ انه من غير المعقول أن يطلب الله منا
اجتثاث واقتلاع غريزة السماع بعدما خلقنا مجبولين عليها،
فطبيعة الانسان تميل الى الملذات والطيبات التي يجد
الانسان لها أثراً طيباً في نفسه ، بها تسكن جوارحه ،
وتهدأ نفسه، وهذا يعني اقتراح وجود لجنة فنية تضم فنانين
وعلماء نفس، وعلماء لغة، وعلماء تاريخ اسلامي تضبط الكلمة
واللحن والاداء.
والتوسط أصل عظيم في الاسلام ، وهو موقف الاعتدال والقصد،
لا موقف الافراط ولا موقف التفريط.
أما الغلو والتشدّد فهو مذموم، لشواذ الناس، ولهذا قال صلى
الله عليه وسلم: اياكم والغلو في الدين، فانما أهلك من
قبلكم الغلو في الدين".
أما لفظ )يستحلون المعازف ) في حديث البخاري فناقشه
الفقهاء حيث رأى قسم منهم أن الأصل فيما ذكر في الحديث
حرام ويجعلونه حلالاً وهذا يعني ان المعازف كلها حرام .
في حين رأى قسم آخر أن قوماً من هذه الأمة يستحلون
"المحرم" من هذه الامور: ( الخمر، الحِرَ، الحرير،
المعازف) وهذه الأمور المذكورة في الحديث ليست محرمةً
مطلقاً إلا الخمر بالنص القاطع: فالحِرَ (أي الفروج) حلال
بالنكاح، حرام بالسّفاح.
والحرير حرام على الذكور (الا في حالات المرض) حلال
للنساء.
وكذلك المعازف (الموسيقى) حلالٌ اذا كانت للترويح عن
القلوب، حرام اذا
اقترنت بالفجور والرذيلة والمعاصي والزنا وهدر الاموال
والاوقات والطاقات
كما يجري اليوم وكله حرام يعكس صورة الانحدار المخيف
للتشريعات والنظم
والقوانين والاخلاق الاسلامية المعطلة، المصبوغة بالفلتان.
وللامام الذهبي (ت748هـ) – صاحب تاريخ الاسلام- رسالة في
السماع مطبوعة تخلص نتيجتها الى تطبيق الاحكام التكليفية
الخمسة على السماع:
فمنه المحرم : وهو سماع الصبية المليحة الاجنبية التي
يُخاف منها الفتنة وصوت
المخنث (وهو أشد تحريماً) .
ومنه الواجب : كسماع القرآن في الفرائض.
ومنه المباح: كسماع الحداء الطيب في السفر (أي كالغناء
للجمال في مضارب
الصحراء) وسماع الشعر وسماع غناء الرجل لنفسه وغناء المرأة
لزوجها.
ومنه المستحب : كالمنشدين لأشعار الزهد والفضائل.
ومنه المكروه : بالاكثار من حضور السماع بالكف والدف.
فلا بد من التعاطي مع موضوع الغناء والموسيقى ضمن ما يسمى
فقه الواقع اليوم حيث الجرس في البيت، وموسيقى الهاتف
الجوال، وزمور السيارة، وموسيقى الساعة المنبه، مما لا
نستطيع حصره تحت طائلة الوقوع في التعنّت والضيق والحرج
عند استنباط مسائل الحلال والحرام. ثم ان الطرب ليس حراماً
في الاسلام على كل حال، ومن منا لا يطرب عند سماع البلابل،
ولا ترتاح نفسه عند سماع خرير المياه، وحفيف الاوراق فضلاً
عن أصوات الموج ، ولا يقول بعكس هذا الا مجنون كما قال
الامام النابلسي في (ايضاح الدلالات) .
والذي يتصور ان القرآن وحده سيلبي رغبات الانسان وغرائزه
ومستلذاته من المطعومات والمسموعات والمنظورات فهو مخطىء
ومسيء في آن واحد :
- فهو مخطىء لأنه دعا الى استئصال هذه الغريزة في الانسان
من أصلها... وهو ما لم تفعله شريعة .
- وهو كذلك مسيء بجعله القرآن وسيلة للترفيه في حين أنه
منهج للتوجيه .
النتائج والخلاصة :
لا يوجد نص قطعي الدلالة قطعي الثبوت يدل على تحريم الغناء
والمعازف مطلقاُ .
ففيما خص الحكم على الغناء نقول :
- الشعر كالكلام حسنه حسن وقبيحه قبيح.
- والأصل في الغناء الحل إلا اذا أدى الى حرام فيحرم سداً
للذرائع .
أما المعازف ففي الحكم عليها مدرستين :
- تقول المدرسة الاولى أن الأصل هو الحرمة بحديث البخاري
باستثناء الضرورة ، والضرورة تقدّر بقدرها وهذا الاورع ،
ويمثل هذا الفريق علماء الشام.
- وتقول المدرسة الثانية أن حكم المعازف يدور بحكم
المقاصد، فتحل بحل المقاصد خاصة في دروب الجهاد وتحرم
بحرمتها وهذا الأوسع ، ويمثل هؤلاء علماء مصر والسودان
وايران .
وقد كانت أغنية (الله أكبر فوق كيد المعتدي) سبباً في
اخراج المحتل خلال الاعتداء الثلاثي على مصر عام 1956 م ،
في حرب قناة السويس .
وهكذا يتبين لنا ان الخلاف بين الفقهاء هو لفظي فقط،
فالمحرمون بارك الله سعيهم قصدوا تحريم الفجور والزنا
والرذيلة، والمجيزون أجازوا اللهو البريء المشروع المنشّط
للفكر المحافظ لمقاصد الشريعة .
للمراجعة خالد اللحام هـ : 734289/03
البريد الالكتروني :
kh_lahham2002@hotmail.com
K_lahham2002@yahoo.com |