|
الصحافة المكتوبة في ظل
التحولات الراهنة: لبنان نموذجاً [2]
نهوند القادري عيسى
الحلقة الثانية الاخيرة من
دراسة الدكتورة نهوند القادري عيسى حول التطورات في عالم
الاعلام مطبقة على الحالة اللبنانية:
العلاقة الملتبسة بين الصحافة والمصدر
لربما كان للتأثير الكبير لوسائل الاعلام في السياسة الدور
الرئيسي في خلق علاقة تفاهم ومصالح مشتركة بين المسؤولين
السياسيين وكبار الصحافيين في وسائل الاعلام... فليس
مصادفة ان يقوم السياسيون بدعوة الصحافيين الكبار الى
مآدبهم. وليس مصادفة ان يعمل الكثير من رجال السياسة على
امتلاك وسائل الاعلام وان يتحول بعض الصحافيين من العمل في
الصحافة الى العمل في السياسة. وليس غريباً ان تتحول بعض
صالات التحرير الى مكاتب سمسمرة وعلاقات مشبوهة ووجهات نظر
مقروءة الف مرة. فعندما يتناول الصحافي المآدب مع رجل
السياسة يوشك اعلام المواطن ان يكون خاضعاً لرغبة الصحافي
في ان يحفظ مكانته ضمن مجتمع النخبة.
بمعنى آخر العرض والطلب يلتقيان في السوق (سوق الاعلام)،
الدافع للعرض هو التضليل، وللطلب هو بيع اكبر عدد ممكن من
النسخ او جذب اكبر عدد ممكن من القراء، وبالتالي جذب اكبر
عدد من الاعلانات. ومن يقول “سوق” يقول “سعر”. الاعلام له
ثمن يدفعه الطالب للعارض. انه التضليل الذي ارتضى به
الطالب، هذا الثمن لا يظهر ابداً، يبقى غير معلن، مدفوعاً
الى الخلف، ظاهرة المجانية. العلاقات بين الطالب والعارض
والمعلن تسبح في جو من المجانية كي تخفي على نحو افضل
المساومة التي هي في أساس علاقاتهما. وعلى الاغلب يقدم
العارض مجاناً غداء، رحلة وهدايا، مناسبات حيث المال تخف
رائحته الى درجة يغيب ظاهرياً. الاعلام ليس مجانياً بل له
ثمن. ان خداع القارئ هو في قلب علاقة العرض والطلب للاعلام.
وفي العقد الضمني الذي يربط العارض بالطلب، والذي هو
بواسطة جمل من نوع: “ما قلته لك هو لانارة طريقك، لكن اطلب
منك الا تنشره ولا تقل لاحد انني انا قلت لك ذلك”. هذا
يعني انه اذا اردت ان استمر باعلامك فلا تكتب اي شيء. لنكن
شركاء لمصلحتنا نحن الاثنين.
لكن الذي يحصل اجمالاً ان العرض المحتكر للاعلام عن السلطة
هو واحد (وان كانت التسريبات وتضارب المصالح، وهي في لبنان
كثيرةـ، تؤدي دوراً في جعل العرض متعدداً احياناً). في حين
ان الطلب هو دائماً تنافسي (وسائل عدة، صحافيون عديدون).
اذن العرض (السلطة) هو الذي يحدد سعره (التضليل) وهو الذي
يفرض نفسه على الطلب... من هذا المنطلق يجب ان نحلل موقع
كل صحيفة. يبقى ان دور رجل السياسة في هذا الحقل لا تحدده
مسألة العرض والطلب فقط، انما يختلف باختلاف الاوضاع، ففي
فترة الانتخابات تتقدم استطلاعات الرأي. وفي الفترات
العادية تتقدم الميديا، لانها وحدها بامكانها ان تحدد
الاتصال وتظهر الاحداث والمسائل تبعاً لتراتبية تخصها هي،
كي تفتح من جديد حقل الاتصال. اما في الازمات والظروف
الصعبة فان الدور الأساسي هو رجل السياسة بحجة خطورة
الاوضاع.
الميديا ازاء رجل السياسة
حاجة رجل السياسة ان يرى او ان يسمع، وحاجة الجمهور الى ان
يرى ويسمع اعطى الميديا دور الوسيط بين حب الظهور عند رجل
السياسة وحب الرؤية لدى المجموعة. وصعوبة هذا الدور تكمن
في امكان الوقوف على المسافة نفسها بين هاتين الرغبتين.
لذلك نجد ان الوصول الى الميديا يحكمه مبدأ الانتقاء الذي
يمارس دوغمائياً بالاخص من قبل الوسائل السمعية البصرية
التي تخلط بين اهتماماتها واهتمامات الجمهور. فنظرياً يصدر
الاعلام عن كل العالم، انما ممارسة مبدأ الانتقاء تعكس
التراتبية الموجودة في الدولة والمجتمع. مثلاً المسؤولون
الكبار يستفيدون من الوصول الآني الى كل الميديا بينما
الناس الذين لا سلطة لديهم عليهم ان يخرقوا النظام المتبع
ويكسروا القاعدة كي يصلوا. وبهذا يمكننا القول ان الاعلام
هو معركة بها نبعد الاعلام المحتمل والمنافس وغير المرغوب
فيه، والا لماذا لا توزع وكالات الانباء كل الاخبار التي
تصلها، ولماذا هناك مجموعات تتوصل لان تكون مصدراً للاخبار
واخرى لا تسمع؟ وما هي الاستراتيجيات والتكتيكات التي
تتبعها المجموعات المسموعة لاثارة انتباه الميديا؟ وكيف
تتصور المنافسة داخل الميديا؟ ولماذا عملية الوصول الى
الميديا لا يحكمها التساوي بين الجميع؟ ما يمكننا قوله
ازاء هذه التساؤلات ان عملية التبادل بين الصحافي والمصدر
السياسي تتم داخل مجموعتين من المعايير المهنية، فهي ليست
مجرد تبادل بسيط بين مصدر فردي وصحافي مخبر وحيد، فهناك
عامل جماعي يشكل قوى تدخل في اللعبة وهذا ما يقودنا الى
حقل مركب.
ففي حين ان المصادر تسعى لتضليل الاعلام مقدمة نفسها بأفضل
حال، نرى الصحافيين انفسهم يضللون المصادر لينتزعوا منها
المعلومات. هذا التفسير يفترض الاعلام كأداة كل معسكر يلجأ
الى استراتيجيات لخدمة اهدافه. مثلاً، الوزارات لديها
ملحقون صحافيون. ولكون الملحق الصحافي آخر من يعلم ما يجري
فعلاً، ولكونه لا يحتكر الاعلام لوحده فان علاقات السلطة
بالصحافة تتم بفوضى كبيرة على الرغم من محاولات الكثير من
الحكومات رفع دور الملحقين الصحافيين، او على الرغم من
محاولاتها لتركيز اتصالاتها بالصحافيين من خلال مؤسسات
معينة او وزارات اعلام. وعلى الرغم من دعواتها المتكررة
للموظفين الكبار الى التحفظ فان هناك الكثير من التسريبات
ومن الفوضى الاعلامية التي تربكها وتشكل لها ازعاجاً.
علماً ان بعض الضجة الاعلامية وسيلة للحكم. فالتضليل يؤدي
دوراً اساسياً منذ تصور المشاريع وحتى اتخاذ القرارات
النهائية. الرسالة لا تمر جيداً الا اذا لاقت اعتراضاً
واختبرت المعارضة واجبرتها على الكشف عن نفسها مبكراً. في
المقابل، مجموعات الضغط التي تؤلفها الصحافة لها
امتيازاتها وتناقضاتها، وهي عديمة الشفافية، لان الصحافة
لم تعد على جانب او فوق اللعبة السياسية او لعبة مجموع
المصالح، انما اصبحت في داخلها، الامر الذي عقد هذه اللعبة
وعقد التصور الذي يمكننا ان نكونه عنها، اذ انه كلما
ازدادت اهمية الصحافي اصبحت شرعيته مهددة من التبخير الذي
سوف يصبح هو موضوعاً له. اي كلما خضع لتنافس أقوى واكبر من
قبل رجل السياسة الذي يروح يتعلم كيف يسترضيه او يتجاوزه.
والمظهر السلبي لهذه اللعبة هو هاجس السبق الصحافي. فهذه
المطاردة المجنونة تزيد من تبعية الصحافي لمعلمه. علماً ان
المنافسة بين الصحافيين لمطاردة الحدث تعطي مظهراً لحرية
الصحافة بانها اكثر انفتاحاً وحرية وحماسة. لكن في الواقع
وفي نطاق احتكار عرض الاعلام من قبل السلطة التي تكلمنا
عنه فانه يزيد من قبضتها على الصحافة ومن قدراتها على
التضليل وعلى اخفاء هذا التضليل بواسطة الوفرة الاعلامية.
ان ما نسميه عادة اعلام واخبار لا يقول شيئاً ولا يمكنه ان
يقول شيئاً عن سر السلطة، فهو يعطي الانطباع عن الصحافي
انه يقوم بمهمته والفرصة للصحف ان تبيع الجمهور ثم المعلن،
وللجمهور الكبير الشعور بانه استعلم. انه يمكنه ان يموه
النيات الحقيقية للسلطة ويحول الانتباه عما يجري فعلاً.
وهذا الاعلام يخفي بالضربة نفسها عجزه الجوهري عن كشف
السر. فالتضليل يبدأ حين تقرر المجموعة الصغيرة تقاسم السر
لتنفيذ مشروعها. الصحافي لا يمكنه ان يكون في السر لأنه لا
يشارك في عملية القرار واذا كان يشارك فهو لا يعود
صحافياً. ولا يمكنه ان يكون في السر الا اذا سرقه او عرفه
مصادفة. لهذا السبب نحلل الاعلام على انه عملية تسوية او
صفقة بين المصدر الذي كشفه والذي تلقاه.
لذلك فان ما يطلب من صحافيي القاعدة ليس اوراقاً اولية فقط
انما اولية اولية الاوراق. فالمنافسة وهاجس الوصول الى
المصادر اولاً تفرض مصادر خطرة لا فائدة منها، لانها وسيلة
مميزة للتضليل فهي توصلنا الى وضع غريب. كلما كان الحدث
متوقعاً كانت الاوراق الاولية عنه متعددة (الميزانية،
التخطيط...الخ) الى درجة ان الحدث نفسه يمر بسكوت عندما
يحصل فعلاً. لسبب ان القراء أو المشاهدين او المحررين
اشبعوا من هذا الموضوع واصبحوا متخمين... وبهذا تستفيد
السلطة من الصخب في البداية والسكوت فيما بعد. وسكوت
المابعد ليس سكوتاًً انما شائعات جديدة عن احداث جديدة
تنسي التي سبقتها. انها لعبة السلطة.
ولعبة السلطة هذه لا نجدها في الخارج فقط انما داخل
الوسيلة الاعلامية ايضاً. لأن محرري القاعدة هم الذين
يعدون الاوراق الاولية وهم الذين يخاطرون ويستنفذون. وفي
لحظة وصول الحدث يحرمون من الكلام من قبل الاوليغارشية...
ثم يسود السكوت. ومحررو القاعدة ينكبون على اعداد اوراق
اولية وهكذا... لكن هذا الوضع غير المتكافئ بين العرض
والطلب، وحتى داخل ساحات الطلب والعرض ينتج منه ضعف في
بنية الصحافة المكتوبة يجعلها عرضة للضغوطات ليس فقط
السياسية او التقنية انما ايضاً الاجتماعية، على سبيل
المثال لم يعد بامكانها ان تعول على تثقيف القراء او اخذهم
في نزهة وتسليتهم كما يفعل التلفزيون انما اصبح المطلوب
منها ان تكون برصانتها مرجعية لهم، تشركهم فيما يجري،
وتشعرهم ان الحل يتوقف عليهم.
مكامن تجاوز الصحافة اللبنانية المكتوبة لازماتها
ان الازمة التي تعاني منها الصحافة المكتوبة في لبنان
تغذيها من دون شك الازمة السياسية والاقتصادية التي يعاني
منها البلد، وهي تتمثل في جملة امور نذكر اهمها:
مادياً، هذه الصحافة تعد فقيرة مقارنة مع الصحافة الخليجية
المنافسة، وضعيفة بنيوياً ومؤسساتياً مقارنة بالصحف
العالمية. توزيعها محدود وسوقها ضيقة، محاصرة اعلانياً من
الاحتكارات ذات الامتدادات السياسية، ومن التلفزيون
والصحافة المصورة والمثيرة. وهي تحاول ان تعوض عن ذلك
بجملة خدمات واعلانات نوعية خاصة بالمكتوب، نذكر منها
تندراً موضة تهنئة او تعزية المسؤولين السياسيين من قبل
الفاعليات والبلديات والوجهاء على الصفحات الاولى للجرائد.
معنوياً، جزء منها خف بريقه وجزء آخر يستعرض بريقه المتبقي
على شاشات التلفزة، مصادرها محدودة تستفيد من المنكافات
التي تحصل مما يعطي انطباعاً بأنها تعيش اجواء حرية ومما
يعمي عن غياب الحياة السياسية، لدرجة اصبحت تتغذى من
التلفزيون بعدما كان يحصل العكس.
سياسياً، لم تتمكن الصحافة المكتوبة من ان تكون فاعلاً في
الحياة السياسية، لانها انحازت الى المسؤولين السياسيين
على حساب منظمات للمجتمع المدني. واجتماعياً لم تتمكن من
دفع المواطنين ليكونوا معنيين بما يحصل. ولم تتمكن من دفع
الملل عنهم او من انقاذهم من لامبالاتهم، تحاول جاهدة
استقطاب الشباب وان بقيت منحازة لهم على حساب الشابات.
ثقافياً لم تستقطب المفكرين والمثقفين كفاية بمعنى ان
تشعرهم ان كتاباتهم او مشاركاتهم في النقاش هو دعم لهم
وللكلمة المكتوبة وللمشكلة المطروحة. رغم لا طائفية
اصحابها والقيمين عليها الا ان جمهورها مصر على التموضع
طائفياً ازاءها. رغم محاولاتها الاهتمام بالمناطق الا انها
لم تتمكن من جعل القراءة عادة لدى ساكني المناطق النائية.
مهنياً، لم يزل الجزء الكبير من عملها قائماً على
التغطيات، اي لم تزل بعيدة عن صحافة الحدث، حتى في
التحقيقات غالباً ما وقعت في الروتين وفي مقاربة الامور من
على السطح. لذا فان الحلقة الوسط بين الصحافيين النجوم
والصحافيين المبتدئين مفقودة والسبب هو تركيز الصحافة على
التغطية السريعة او الجاهزة.
مشكلة الصحافة اللبنانية انها تفتقر الى نقابة حيوية فاعلة
شابة شفافة تضع ادبيات للمهنة بشكل متطور مع تطور الاوضاع،
نقابة تمارس نقداً ذاتياً سعياً لتطوير المهنة، فالصحافي
الجدير بالتسمية هو الذي لا يعترف الا بحكم نظرائه على
نوعية عمله تبعاً لشرعة 1918 في فرنسا.
تقنياً، حجزت الصحافة لها مواقع على الانترنت انما بالصيغة
الورقية نفسها. هناك محاولات لانشاء مدارس صحفية لتجديد
الدم، انما ما زالت هذه الاخيرة تفتقر الى البنية التحتية
التي تمكنها من الاستمرار، والعمل على القطعة ما برح
يزداد، وباسعار زهيدة، مما يعني المزيد من اللاأمان لدى
الصحافيين الشباب والشابات، ومما يدفعهم اكثر نحو الارتهان
في عملهم للمسؤولين مباشرة عنهم، اي بما معناه العمل من
غير حماسة، فقط لتعبئة فراغات.
استعرضت بعضاً مما تعانيه الصحافة المكتوبة ليس بدافع حكم
معياري عليها وعلى ادائها، فبالاصل لست أنا المؤهلة للقيام
بذلك. انما ما أتيت به كان عبارة عن محاولة لقراءة ظروف
الصحافة اللبنانية موضوعياً وقياسه على نماذج من الصحف
المكتوبة في العالم التي بنت لنفسها تراثاً وسمعة مكنتها
من الصمود امام الضغوط، بما فيها ضغوط التكلفة المادية
المتزايدة. وهذا ما يجعلني اختم ورقتي بنفحة مثالية، لما
يجب ان تحاول صحافتنا ان تكون عليه او بالاحرى لما نطلبه
منها، وفي حال عد البعض ذلك مطلباً تعجيزياً، فاني اردف
القول ان تحقيق ذلك قد يكون صعباً انما ليس مستحيلاً:
صحيح انه في عصر الاتصال، اصبح للسلطات الاقتصادية
والسياسية القدرات لفرض قراءتها للاحداث، وان امكانات
الجرائد تبدو غير كافية للهروب من عمليات التسمم والتضليل
التي تقوم بها هذه السلطات واكثر المتعددة الجنسية التي
تكرس ثروات هائلة لخدماتها الاتصالية. لاسيما وان الشفافية
تبدو كذبة كبيرة، فالمجتمعات الراهنة تعمل في السر،
والسلطات تعلمت كيف تكذب وهي تتصل، وطورت مهاراتها كثيراً
في هذا المجال. لكن في البلدان الديموقراطية ، لا يمكن
الرجل السياسي ان ينجو من نظرات الصحافة المتفحصة
والمشككة. لذا يمكننا القول ان دور الصحافة هو ان تجعل
الحياة السياسية مفهومة، ولعمل ذلك يجب الكشف عن خلفيات
هذه الحياة، عن مطابخها، كواليسها، وعن ظلالها وزواياها.
فالحقيقة بالنسبة الى plenel هي بالاساس ما اخفي وليس ما
قيل. لذا غدت ووترغيت اسطورة لصحافة التقصي في اميركا وهي
مماثلة لصحافة التحقيق في فرنسا كما حصل مع كشف فضيحة غرين
بيس. التحقيق الفعلي يهدف الى البحث وراء الاحداث وهو قائم
على التشكيك الممنهج.
باختصار، صحافتنا المكتوبة بحاجة الى ان تتحول الى مدرسة
للصحافة الجديدة، ولن تستعيد بريقها الا اذا استقطبت اهل
الرأي والفكر والمثقفين وكانت بمثابة مساحة لنقاشاتهم
وبمثابة المايسترو او قائد الاوركسترا لهذه النقاشات
ووجهات النظر، وهذا ما يمكنها ان تقول وبدون حرج ولا خوف
ما هو الجيد وما هو السيئ، تدين البعض وتنوه بالآخر. عندها
بامكانها ان تصبح لاعباً اساسياً على المسرح السياسي.
بمعنى انه اذا اردنا ان نعرف ما هو الفكر السائد علينا ان
نشتري تلك الجريدة، واذا اردنا ان نكون مسموعين علينا ان
نكتب في تلك الجريدة. الجريدة التي تضرب شمالاً ويميناً
ووسطاً، هي الجريدة التي تجد استقلاليتها. وسر نجاح
الصحيفة ليس فقط ادارتها الاقتصادية والمالية الجيدة، انما
اعتماد مفهوم صحافي مختلف، العودة الى المصادر القائمة على
الكشف والاستقلالية، ان تعتمد سياسة صحافية فيها شيء من
الهيبة او السلطة ليس فقط داخل الجريدة، انما على الميديا
الاخرى، وعلى السياسة، وعلى المجتمع.
ان تكون صحيفة ما من الاوائل في هذا المجال، يعني ان تفرض
تراتبيتها، ان تصنع احداثها، لا ان نتنبأ على شاشات
التلفزيون، فمرض الصحافة هو التنبؤ.
يعني ان تصبح تحقيقاتها مدرجة في مناهج مدارس الصحافة، ان
تشجع التفكير المنطقي، ان تشجع الافتراضات المنطقية التي
توصل الى السكوب بشكل طبيعي وان كان قائماً على المقامرة
والمخاطرة انما مدعوماً بصدقية الجريدة. لان هاجس السكوب
وثقافة الحصرية تفقد الصواب. التحقيق هو سلاح الديموقراطية
عندما لا يدعي الصحافي انه سيحل محل القاضي والبوليس
والسياسي. وربما التحقيق يجب ان يطاول الصحافة نفسها ليس
لاصطياد الفضائح انما لافهامنا ظروف العمل الاعلامي وشروطه
اي الاعلام عن الاعلام هو احدى مكامن مستقبل الصحافة
النوعية.
غير ان سلطة الصحافة يجب ان تستخدم باعتدال. هناك فرق بين
ان تخدم الرأي وبين ان تحل محله. ان تتساءل باستمرار ما
العمل ازاء تحديات الميديا الاخرى؟ كيف نؤمن الاستقلال
المالي كيف نجذب القراء لاسيما الشباب؟ كيف نفكر بالدور
المدني والسياسي؟ بالموقع الاقتصادي، بالعلاقة مع السلطات؟
ففي عصر الاحباط واللامبالاة، المستقبل هو للصحافة النوعية
غير المستسهلة، للصحافة ذات البنية المؤسساتية المرنة،
المجددة لدمها، العاملة على رفع مستوى العاملين لديها بشكل
يمكنهم من الامساك بمواضيعهم ويجعلهم قادرين على الجمع بين
الكفاءة والدقة، وموهبة الاستماع وحسن الاطلاع، والمبادرة،
والاسلوب القصصي الجذاب.
يبقى ان التوازن بين العرض المتكيف مع الجمهور المتطلب
وبين كلفة الانتاج المعقولة والادارة الحديثة ربما صعب
انما ليس مستحيلاً. فلا شيء يرضي الصحيفة سوى شعورها
بالاستقلالية وشعور القراء بالانتماء الى عالمها. |