|
الصحافة
اللبنانية منذ نشأتها حتى الحرب العالمية الأولى
ليلى حمدون
إمتاز اللبنانيون عن غيرهم من الشعوب العربية، بأنهم كانوا
أول من مارس الصحافة ممارسةً فعالة وعلى نطاق شعبي واسع،
إن كان في بلادهم أم في سائر البلدان العربية والأجنبية.
ويُروى أن الجنرال "بونابرت" إستعان بإثنين من اللبنانيين
كترجمانين. ولا شك بأن هذين اللبنانيين أسهما بصورة غير
مباشرة في تحرير أول صحيفة عربية في العالم "التنبيه".
أما أول لبناني أصدر صحيفة عربية بإسمه، فهو "إسكندر شلهوب"،
الذي أنشأ جريدة "السلطنة" في إسطنبول عام 1857 ونقلها الى
القاهرة، لكنها لم تعمّر سوى سنة واحدة.
وسنتناول في بحثنا هذا حول تاريخ الصحافة اللبنانية، ظروف
نشأتها وتطورها، مختلف القوانين التي خضعت لها وبالتالي
تأثرت بها، وضع الصحفيين اللبنانيين بعد أحداث العام 1860
الطائفية، بالإضافة الى التطور الهام الذي لحق تقنيات هذه
الصحافة حتى فترة إندلاع الحرب العالمية الأولى.
نشأة الصحافة اللبنانية
لقد تمّ مولد الصحافة العربية في لبنان، على يد "خليل
الخوري" مع جريدته "حديقة الأخبار"، التي أصدرها في بيروت
العام 1858. ويعتبر الكثير من المؤرخين، أن الصحافة
العربية الحقيقية قد نشأت بنشوء "حديقة الأخبار"، وأن خليل
الخوري هو أول صحافي عربي يصدر جريدة شعبية بإسمه في
العالم العربي، وأنّ كل ما صدر قبل جريدته من نشرات ليس من
الصحافة في شيء، على اعتبار أنها كانت إما جرائد رسمية
لنشر القرارات والأوامر الحكومية، وإما لأنها لم تكن عربية
المكان ولا الطابع ولا الناشر.
ولعلّ إقبال اللبنانيين على إصدار الصحف بكثرة وإمتهان
الصحافة، عائد الى كونهم سبقوا غيرهم من أبناء الشعوب
العربية الى إنتهال العلوم والمعارف والثقافات الأجنبية
المختلفة. وإذا استعرضنا الصحف العربية التي صدرت في ذلك
العهد في العالم، نجد أن أغلبها صدر عن لبنانيين أو كان
للبنانيين فضل في إصدارها، كالكونت "رشيد الدحداح" الذي
أصدر جريدة "برجيس باريس" عام 1858، و"أحمد فارس الشدياق"
الذي أصدر "الجوائب" في إسطنبول عام 1860.
أما ثاني جريدة صدرت في لبنان، فهي "نفير سوريا"، التي
أسسها المعلّم "بطرس البستاني" العام 1860 في بيروت، وكانت
تدعو الى الوحدة الوطنية إثر مذابح 1860 الطائفية.
وما إن أطل العام 1870، حتى اندفع اللبنانيون الى إصدار
الصحف في بيروت بكثرة مدهشة، حتى أنه صدر في هذا العام سبع
جرائد ومجلات، أهمها:
- "البشير"، وقد أنشأها الآباء اليسوعيون، وكانت تصدر
أسبوعية وتتضمن فضلاً عن المقالات الدينية أخباراً عامة،
وقد اتخذت شعاراً لها "تعرفون الحق والحق يحرّركم". وبعد
الحرب العالمية الأولى، أخذت تصدر يومية الى أن توقفت عن
الصدور عام 1947.
- "الجنة"، أصدرها "سليم البستاني" في بيروت العام 1870،
وكانت أسبوعية تجارية أدبية، وقد اشتهرت بجلب الأخبار
البرقية على حسابها الخاص، ثم أخذت تصدر مرتين في الأسبوع
حتى سنة 1881، فصارت تُطبع في المطبعة الأدبية لصاحبها "خليل
سركيس". حينئذٍ، إتفق المعلم "بطرس البستاني" صاحب "الجنان"
و "سليم البستاني" صاحب "الجنة" و "خليل سركيس" صاحب "لسان
الحال"، على ضمّ هذه الصحف الى إدارة واحدة ومطبعة واحدة.
وظلت "الجنة" تصدر بطابع مستقل حتى وفاة صاحبها عام 1884،
فتحوّل الإمتياز الى أخيه "خليل" الذي أصدرها مدة عامين،
ثم أوقفها بسبب إشتداد الرقابة على الجرائد في تلك الفترة.
أما "الجنان" التي أصدرها المعلم "بطرس البستاني" عام
1870، فقد كانت تصدر مرتين في الشهر، وكان شعارها "حب
الوطن من الإيمان". وقد اشتهرت في جميع الأقطار العربية
نظراً لذيوع شهرة صاحبها، وتأليفه لقاموس "محيط المحيط"
وكتاب "دائرة المعارف". وبعد وفاته سنة 1883، تحوّل
إمتيازها الى إبنه "سليم" ثم "نجيب"، ثم توقفت سنة 1887.
في نفس العام، أنشأ القس "لويس صابونجي" "النحلة"، وكانت
أسبوعية تتناول مختلف المواضيع ما عدا الدين والسياسة.
وكانت حسنة التبويب كثيرة المباحث، واستمرت في الصدور حتى
العدد 31 منها، حيث أمر "راشد باشا" والي سوريا بتعطيلها.
طابع الصحف اللبنانية في فترة النشوء
كانت الصحف اللبنانية منذ بدء إنتشارها سنة 1858 وحتى
أواخر القرن التاسع عشر، تنطق بلسان بعض الطوائف الدينية،
وغالباً ما كانت الصحف الطائفية تدخل في جدل بيزنطي ديني
حول مسائل لاهوتية، لا علاقة لها مطلقاً بالأحوال السياسية
والإجتماعية في البلاد.
وهكذا نجد أن نشأة معظم الصحف اللبنانية كانت نتيجة دوافع
طائفية مذهبية، تحوّلت على مرّ السنين الى جرائد وطنية
جامعة. وهي وإن كانت لم تستطع التحرر نهائياً من صبغتها
الدينية حتى أيامنا هذه، إلا أنه منذ نهاية القرن التاسع
عشر وحتى الحرب العالمية الأولى، تبدلت إتجاهات الصحف،
فأصبحت بمعظمها تناوئ الإحتلال العثماني وتطالب بالإستقلال
وتدعو الى القومية العربية. وقد تميزت هذه الروح أكثر ما
تميزت بعد إعلان الدستور العثماني سنة 1908، حيث أصبح
إصدار الصحف سهلاً.. وقد نعمت الصحف اللبنانية منذ سنة
1908 حتى سنة 1914، بعهد من الحرية لم يُعرف له مثيل، حتى
أن بعضها لم يتورع عن التشهير بالعثمانيين علناً.
لكن جرأة بعض الصحفيين اللبنانيين في ذلك العهد أدت بهم
الى أعواد المشانق، حيث انتقم الأتراك منهم خلال الحرب،
وأعدموا 16 منهم سنة 1916، وعلى رأسهم: الشيخ "أحمد حسن
طبّارة"، "عبد الغني العريسي"، "بترو بارلي"، والشيخان
"فيليب وفريد الخازن" و"سعيد فاضل عقل".
الصحافة اللبنانية في ظل القوانين
بعد مرور سنتين فقط على إصدار "حديقة الأخبار" لصاحبها
"خليل الخوري" عام 1858، حصلت أحداث 1860 الدامية بين
الدروز والموارنة في جبل لبنان. وقد أعطت هذه الأحداث
الفرصة للدول الكبرى لإحداث نظام سياسي جديد لجبل لبنان،
الذي أصبح فيما بعد متصرفية مستقلة تابعة مباشرةً للباب
العالي.
هذا النظام السياسي الجديد جذب الإرساليات الغربية بأعداد
كبيرة، فراحت تفتح المدارس وتؤسس المطابع وتصدر النشرات ثم
الجرائد والمجلات. وهذا ما أثار الشك والريبة لدى السلطات
العثمانية، التي كانت تخشى تجدد الأحداث بين الطوائف. فلم
تتوانَ عن وضع القيود أمام الصحافة الناشئة، إذ لم يكن
هناك قبل العام 1864 قانون للصحافة لا في لبنان ولا في
البلدان الخاضعة للسيطرة العثمانية، إنما كانت جميع
المطبوعات في الإمبراطورية العثمانية تخضع لنظارة أو وزارة
المعارف أو الداخلية في إسطنبول، اللتين كانتا تصدران
أوامرهما بإسم الباب العالي. فأصدرت قانوناً جديداً عام
1864 في عهد السلطان "عبد العزيز"، يحدد الشروط المطلوبة
للحصول على إذن بإصدار مطبوعة، ومن ضمن هذه الشروط:
1- كل شخص باستطاعته أن يطلب إذناً بذلك، إنما عليه التقدم
من الوالي، فيحيله هذا الأخير الى وزير التربية. أما إذا
كان أجنبياً، فيجب التقدم بالطلب من وزارة الخارجية.
2- على طالب الرخصة أن يكون عمره 30 سنة على الأقل، وأن
يكون سجله نظيفاً.
3- طلب الرخصة يجب أن يحتوي على إسم النشرة، مكان الطبع،
تاريخ الصدور. كما ويتضمن تصريحاً يتعهد فيه طالب الرخصة
بإصدار نسخة موقعة عن كل عدد الى الوالي. وقد لحظ القانون
كذلك تشكيل مكتب خاص مكلّف بمراقبة التطبيق.
وقد حاول العثمانيون إستصدار القوانين العصرية ذات المواد
اللينة. لكن عند التطبيق، كانت تتحول هذه النصوص الى قساوة
ضارية والى إجراءات إعتباطية خاصة سنة 1867، إذ تم توقيف
الكثير من النشرات وملاحقة الناشرين. فكانت القيود
المفروضة على الصحافة في زمن السلطان "عبد الحميد"، تُرسل
الى إدارات الصحف بمثابة تعليمات يجب التقيد بها:
- يجب تنوير الشعب عن صحة مولانا الغالية، ثم البحث عن
المحصولات الزراعية، ومن ثم تقدّم الصناعة والتجارة في
المملكة.
- محظور على الصحافي نشر أبحاث مطوّلة مهما كان نوعها،
بحيث لا يتسنى للجريدة نشرها مرة واحدة. ولا يجوز مطلقاً
إستعمال كلمة يتبع أو غيرها من التعابير، التي تدلّ على أن
للبحث صلة.
- لما كان ترك الفراغ ووضع نقاط متتابعة في المقال (...)،
يسبب التشويش ويترك المجال لإفتراضات لا طائل تحتها، فلا
يُسمح بذلك في المقال مطلقاً.
- يجب أن لا يُعطى أي مجال للطعن بالشخصيات، وإذا أُسندت
تهمة الرشوة الى أحد الولاة يجب كتمانها، الخ...
ومهما يكن من أمر، فإن هذه الإجراءات ليست إلا مؤقتة.
فالتطور السياسي العام والتحضّر والتعليم، كل هذه الأمور
وغيرها كانت تزيد الإهتمام بالسياسة. فوجود الإرساليات
وفتح المدارس، وإصدار النشرات وتأسيس الجمعيات، كل هذا
أوجد لدى الطبقات الميسورة فضولاً للسياسة، وحدها الصحافة
كانت ترضيه، متخفية أحياناً تحت عناوين أدبية وإجتماعية.
فأخذت المطبوعات تزداد، إذ شهدت الفترة الواقعة بين 1865
و1876 في بيروت، ظهور 10 مجلات و6 جرائد. وهذا يعود الى
موقف السلطان "عبد العزيز" من الحركة الأدبية، لا سيما بعد
زيارته الى باريس. وعندما خلفه السلطان "عبد الحميد" سنة
1876، أعطى للوهلة الأولى للصحافة حريتها، وذهب لدرجة
تكريسها في المادة 12 من الدستور. فبقيت الجرائد إنما
لفترة وجيزة جداً تنشر ما تريد وتنتقد الحكومة. لكن هذه
الحرية كانت مؤقتة، فسرعان ما أعطى أوامره لرئيس وزرائه
"مدحت باشا" بكمّ الأفواه وتوقيف النشرات الصادرة عن
الأحزاب والمجموعات السياسية، وحلّ البرلمان وأبعد العديد
من النواب والصحفيين الى الخارج. وعندما إندلعت الحرب
التركية الروسية عام 1877، وأُعلنت الأحكام العرفية، كان
"المكتبجي" في الولاية هو الذي يراقب الأنباء، حتى إذا ما
كتب أحد الصحافيين خبراً لم يعجبه، أخذ الأخير عدة الفلق،
وقصد الصحافي في بيته. ومن الصحافيين اللبنانيين الذين
ضُربوا فلقاً من قبل "المكتبجي"، الصحافي "سليم سركيس".
لكن الرقابة لم تتوقف مع توقف الحرب، فبعد خمسة أشهر من
إنتهائها عام 1879، عُلّقت "الجوائب" لمدة ستة أشهر، وتم
نفي "فارس نمر" وغيره من الصحافيين الى مصر. أما الصحافة
الآتية من الخارج، فإنها لم تشكل إستثناءً، ففي العام
1884، أعطى والي سوريا "أحمد حمدي باشا" أوامره بإحراق
أعداد "الأهرام" المرسلة في البريد المصري. واستمرت الحال
على هذا المنوال، فعُلّقت "سلسلة الفكاهات" ونُفي صاحبها،
وتوقفت "التقدم" عام 1889، وعُلّقت "الصفاء" في نفس العام
لمدة ثلاث سنوات، وتوقفت "النشرة الأسبوعية" عن الصدور عام
1890. وبلغت الرقابة على الصحافة السياسية ذروتها في العام
1891، ولذلك أخذ إهتمام الصحافيين يتوجه نحو الصحافة
الأدبية وغيرها من المواضيع العامة.
وفي العام 1894، أصدر السلطان قانوناً جديداً كان القصد
منه التضييق أكثر فأكثر على الصحافي وعلى حرية الصحافة.
فللحصول على رخصة الإصدار، كان يتوجب إنتظار موافقة
السلطات المختصة، التي لم تكتفِ فقط بالتقصي عن السجل
القانوني لطالب الرخصة، إنما راحت تبحث عن حياته الخاصة
وآرائه السياسية.
وللتفلت من الرقابة، إلتجأت الصحف اللبنانية الآتية من
الخارج الى التوزيع عن طريق البريد الأجنبي (نظراً لنظام
الإمتيازات)، ولكن عملاء السلطة المركزية كانوا هناك على
مداخل مكتب البريد الأجنبي، لتوقيف الخارجين وتفتيشهم
والتحقيق معهم.
وقد إلتجأت السلطة المركزية الى تنويع إجراءاتها سنة 1901،
فمن أجل زيادة المنشورات المؤيدة لها حذفت ضريبة "الدمغة"،
الى تخفيض سعر المبيع وبالتالي زيادة الإصدار.
وبالرغم من ذلك، فإن السلطان عبد الحميد لم يسمح خلال
العشر سنوات الأخيرة من ولايته بإصدار أية مجلة سياسية.
وهذا ما يفسر ظاهرة إنتشار المجلات العلمية والأدبية في
تلك الفترة (1890- 1908)، والتي أتت لتُضاف الى المجلات
الدينية الموجودة سابقاً.
ولكن ومع تمادي السلطان "عبد الحميد" في طغيانه، قامت
الثورة في إسطنبول، وانتهت بإعلان الدستور العثماني عام
1908، وصدر القانون العثماني للصحافة عام 1909. وقد منح
هذا القانون حريات أوسع للصحافيين، وأصبح من السهل الحصول
على رخصة الإصدار، وخُفّضت تعرفة البريد، وهذا ما سهّل
إنتشار الصحف. وقد ساهم هذا المناخ الملائم في إزدياد عدد
الجرائد في بيروت من 5 الى 10. ولكن على عتبة الحرب
العالمية الأولى، أعيدت الرقابة وأفرط العثمانيون في
اللجوء اليها.
أسباب هجرة الصحفيين اللبنانيين الى مصر
تعاقبت الكثير من الأحداث بعد العام 1860، سواءً أكان في
لبنان أم في مصر، ودفعت بالعديد من اللبنانيين الى الهجرة
الى مصر. أبرز هذه الأحداث:
1- أحداث 1860، وإنعكاسها على الوضع المادي كما على الوضع
الفكري.
2- تراجع تجارة الحرير، بسبب إستيراد أوروبا للحرير
الياباني بدلاً من الحرير اللبناني.
3- إنعكاسات الحرب التركية الروسية سنة 1877، وما تبعها من
فرض للأحكام العرفية، ومن رقابة وضرائب ثقيلة على كافة
مقاطعات الإمبراطورية.
أما في مصر، فقد برزت عدة عوامل وتهيأت الكثير من الظروف
لتجذب الصحافة اللبنانية اليها، منها:
1- تمتّع مصر بنوع من الإستقلالية الذاتية في عهد "محمد
علي باشا" إزاء السلطنة العثمانية.
2- فتح قناة السويس عام 1869 في عهد "الخديوي اسماعيل"
(1863- 1876)، بحيث دُشن عهد من التطور في كل المجالات:
سكك الحديد، خطوط التلغراف، حفر أقنية وما تبعه من تضاعف
للإنتاج الزراعي، فتح المدارس، تطور التجارة، إفتتاح بورصة
في الإسكندرية عام 1866، إصلاح جامعة العلوم الدينية في
الأزهر، إيجاد مجلس للنواب سنة 1866، ومجلس للوزراء سنة
1877.
3- عودة البعثات الجامعية التي كان الخديوي قد أرسلها الى
الخارج، والتي أتت بدورها لتسهّل دخول الحضارة الغربية الى
مصر.
4- بداية العمل الصحفي وظهوره في المدن المهمة، ليشهد على
عصر الإنبعاث والنهضة خلال عهد"اسماعيل".
وهكذا، جذبت النهضة الفكرية في مصر العديد من رجال الأدب
والفكر اللبنانيين والسوريين، الذين سارعوا الى الإستقرار
هناك. فالأخوان "سليم وبشارة تقلا" أتيا من لبنان، وأسسا
سنة 1875 اليومية الكبرى "الأهرام"، و"المقتطف" أتت كذلك
من بيروت عام 1855، أما "المقطّم" فقد أصدرها "فارس نمر"
في مصر عام 1889.
وضع الصحفيين اللبنانيين في مصر
إن موقف الصحفيين اللبنانيين في مصر من مختلف القضايا
المطروحة، يعود في غالبيته الى التربية التي تلقوها،
فمعظمهم تلقى دروسه في مدارس الإرساليات الأجنبية. "ففارس
نمر" صاحب جريدة "المقطّم"، الذي تلقى دروسه في الجامعة
الأميركية، كان مؤيداً للإنكليز، معتبراً أن الإحتلال
الإنكليزي لمصر نعمة من السماء. وكانت جريدته من بين
الداعين لنشر الثقافة الإنكليزية في مواجهة الثقافة
الفرنسية. أما مؤسسا "الأهرام" الأخوان "تقلا"، اللذان
تلقيا دروسهما في المدارس الفرنسية في لبنان، كانا مؤيدين
لفرنسا ومن الداعين لنشر الثقافة الفرنسية.
إن موقف الصحفيين اللبنانيين هذا، أثار حمية بعض زملائهم
المصريين. فتوجّه "عبد الله النديم" من على صفحات جريدته
"الأستاذ" بمقالاته الى الصحافة المأجورة. وهذا ما أثار
حماس الشباب المصري، فتوجهوا في مظاهرات وعلى رأسهم "مصطفى
كامل"، ليهاجموا ويحرقوا الجرائد الموالية للإنكليز، ومن
أبرزها "المقطّم".
والذي جعل النفور بين اللبنانيين والمصريين يزداد، كان
تجاوز اللبنانيين للعمل في الصحافة والشؤون الفكرية للقيام
بأعمال تجارية وإدارية أخرى، خاصةً أنهم لاقوا تشجيعاً من
الخديوي "اسماعيل"، الذي كان يهدف الى جعل مصر بلداً
أوروبياً، واعتبر أن خير من يقوم بهذه المهمة هم
اللبنانيون، نظراً لإتقانهم الجيد لبعض اللغات الأجنبية.
وهذا ما دفع "النديم" الى التنديد بالضيوف، الذين أتوا الى
مصر واستفادوا من دعم الحكومة، ليحصلوا على الوظائف
العالية التي إستُبعد منها المصريون، وبهذا يكونوا قد
قاموا بنهب خيرات البلاد.
إضافة الى أن الجدل حول المسائل الفلسفية والأدبية، كان
كذلك موضوع صراع بين المصريين واللبنانيين، مما اضطر "فرح
أنطون" الى الهجرة من مصر الى نيويورك، إثر مناظرة مع
المصلح الإجتماعي "محمد عبده" حول فلسفة "ابن رشد".
وقد توجّه "فرح أنطون" الى السوريين في مصر قائلاً: "لا
شيء يلحق الضرر بالسوريين في مصر غير السياسة، لذلك لا يجب
أن تكون لديكم وجهة نظر متطرفة في السياسة، لا مع ولا ضد
الإحتلال. لا يجب أن تغضبوا أحداً، ففي مصر يجب أن تكونوا
مع الإصلاح، أي مع كل ما هو لمصلحة الشعب المصري".
تطور تقنيات الصحافة اللبنانية مع إعلان دستور 1908
تعود الطباعة في سوريا الى سنة 1610، عندما أنشأ الراهب
الماروني مطبعة في دير قزحيا بعد عودته من روما. مع
الإشارة، الى أن الطباعة عند المسيحيين تقدمت عنها عند
المسلمين لمدة قرن من الزمن. فلقد جرت عدة محاولات لإنشاء
مطابع في تركيا خلال القرن السابع عشر، لكنها كانت تصطدم
برفض السلطان، الذي كان يعتبرها عملاً شيطانياً، الى أن
توصل "سعيد أفندي الحلبي" الى إقناع السلطان بفائدة هذا
العمل، وحصل منه على رخصة بإدخالها سنة 1712. وتوالت بعد
هذا التاريخ المطابع وخاصةً في لبنان، إذ دخلت معظمها عن
طريق الإرساليات الأجنبية. ففي سنة 1834، تولت مطبعة
"القديس جورجويس" طبع الكتب الدينية والأدبية، وفي سنة
1848 فتحت المطبعة الكاثوليكية أبوابها.
أما فيما يتعلق يتقنيات هذه الطباعة، فإننا نستطيع القول
أنها كانت بدائية. فالورق أسمر وخشن، ويزداد خشونة لدى
مرور الآلة عليه. الأحرف الطباعية كانت صغيرة وقديمة،
وتُمحى بسرعة ولا تترك أثراً، السطور محشوة ومتقاربة. أما
نوع الطباعة، فإنه لم يكن واحداً في لبنان، فكانت مطبعة
اليسوعيين تطبع سنة 1845 بطريقة "الليتوغراف"، واستعملت
سنة 1853 "اليتيوغراف"، بينما كان يستعمل "نوفل الخازن"
سنة 1872 في طبع جريدته، طريقة "الأوتوغراف". إضافة الى أن
شكل الحروف وقياسها لم تكن له قواعد محددة، ففي نفس العدد
كنا نصادف أحجاماً وقياسات مختلفة، وقد استمرت الفوضى في
هذا المجال لفترة طويلة.
لكن بشكل عام، يمكننا القول أن الطباعة اللبنانية لعبت
دوراً كبيراً في خدمة الطباعة العربية. ففي لبنان، تم
إختراع معظم حروف الطباعة التي تستعملها صحافة العالم
العربية. فكان "خليل سركيس" يملك محلاً لصف الحروف
العربية، والشيخ "إبراهيم اليازجي" كان يتولى رسم الحروف،
التي كانت تصفّها معامل الآباء اليسوعيين.
أما من ناحية الخصائص الشكلية، فقد كان سعر العدد الواحد
حتى العام 1868 يبلغ قرشاً واحداً، مهما تكن الجريدة. أما
الشكل، فكان تقريباً موحداً لكل المطبوعات. والشكل الوسط
كان يتراوح بين 40- 49 سم للطول و30- 39 سم للعرض، وكانت
كل صفحة تحتوي على أربع أعمدة. وقد كان يلزم لفهم الموضوع
قراءة عامودين أو ثلاث، فلا وجود للكلشيهات أو الصور.
إضافةً الى ذلك، فإن الصحافة لم تعرف المانشيت حتى سنة
1908، والحروف لم تكن تتجاوز قياس 24.
فيما يتعلق بالتوزيع، فقد كان الإنتشار محصوراً وبطيئاً،
وكانت الجرائد تتوزع على العاصمة وبعض المدن المهمة. وكانت
الصحافة تعتمد في المكان الأول على الإشتراكات غير
المدفوعة في معظمها.
أما أسباب ضيق الإنتشار، فهي متعددة: مستوى الحياة المتدني
لأغلبية الناس، ضعف وسائل الإتصال، والهجرة بعد أحداث 1860
الأمنية.
أما دورية هذه الصحف، أي إنتظام صدورها، فنادراً ما كان
ثابتاً. كانت نفس النشرة، ودون أن تتوقف عن الصدور، تصدر
أحياناً مرتين في اليوم، وأحياناً 4 مرات في السنة، مروراً
بالأسبوع فنصف الأسبوع، فالشهر فنصف الشهر.
أما الزوايا الرئيسية في محتوى هذه الصحف، فكانت تغطي
الأخبار الرسمية والأدب والمقالات المترجمة عن الأجنبية.
أما الإعلان الذي بدأ يظهر في أواخر هذه الفترة، فإنه كان
عبارة عن إعلانات لجرائد وكتب صادرة، وكانت ربع الإعلانات
هي إعلانات رسمية.
إنما بعد دستور 1908، عرفت الصحافة تطوراً حقيقياً، وبدأت
بإستعمال حروف الطباعة الكبيرة، وتحسّنت نوعية الورق،
وتغيّر الإخراج عن طريق توزيع أفضل للزوايا، وظهرت
الإفتتاحية، واستجدت زوايا جديدة. وكانت هذه الصحف تدعي
معالجة كل المواضيع،"فالمقتبس" مثلاً، كانت تدعي أنها
تعالج مواضيع تربوية، علمية، إجتماعية، إقتصادية، أدبية،
تاريخية، لغوية، حضارية.
ومع إندلاع الحرب العالمية الأولى، عاشت الصحافة اللبنانية
أزمة خانقة، فاعتمدت أغلبية الصحف على نقل محتوى الصحف
الفرنسية والإنكليزية، كما توقف معظمها عن الصدور. وكانت
الأخبار الخارجية بطيئة وغير مؤرخة، وكانت المقالات عن
الأوضاع الداخلية نادرة، فلا وجود للتحقيقات. وكان
اللبنانيون يقرأون هذه الصحف، لأن الكتب كانت تنقصهم،
بمعنى آخر، كانوا يقرأونها ليس من أجل التسلية والإطلاع،
إنما من أجل التثقيف فحسب.
هكذا، ومع بدء الحرب، تكون الصحافة اللبنانية قد دخلت
مجدداً في مرحلة معاناة قاسية وطويلة من حياتها... |