|المجلة الاولى لرصد الصحافة ومراجعتها في العالم العربي|
 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
 
 

الإعلام المكتوب... رسالة ودور متعدد الوجوه
معوقات ماضية وحاضرة

سامي هيدموس


حدد أتوغروت محرر جريدة "فرانكفورت سايتونغ" الألمانية، الصحيفة أو الجريدة: نشرة تصدرها مؤسسة إقتصادية في نسخ متعددة على آلات ميكانيكية، تظهر بإنتظام في فترات متقاربة، وهي ذات طابع عالمي، وفائدة عامة ولها علاقة بالحوادث الجارية، على أن تتضمن معلومات وتذيع آراءً، وتصدر أحكاماً وتبرز معرفةً، فتخلق جمهوراً من القراء تحتفظ به.

وقد حدد المرحوم جورج نقاش الصحافة الحديثة فقال: "إن الصحافة هي مؤسسة من مؤسسات الإقتصاد الحديث مهمتها التقاط الوقائع التي تتمثل بها أهم مظاهر الحياة وإيصال نبأ هذه الوقائع الى حيث تكون فائدة ايصالها أشمل وأثرها أعمق.

وقد قال الصحفي روبير دي جوفنيل: "إن محاولاتك معرفة كل شيء لتشرح كل شيء، ومحاولاتك أن تتعلم كل شيء لتجعل كل شيء في متناول الناس، وأن لا تدع شيئاً وراء الستار سواءً أكان جميلاً أم بشعاً، وأن لا تستخف بمشهد من مشاهد الحياة مهما يكن من شأنه، وأن تبحث عن الحقيقة ولو بالتلمس والتحسس ولكن بجرأة وثبات، وأن تعيش كأنك في عصر بعد العصر الذي أنت فيه، وأن لا تقيس نجاحك على ثروتك. إن محاولتك هذه الأمور جميعها، هي على ما أعتقد، الشروط التي تؤهلك للإشتغال بالصحافة. وبعد كل حساب، فالمسألة جديرة بالإهتمام".

من هذا التعريف تبرز رسالة الصحافة ودورها في حياتنا. فهي تلعب دوراً متعدد الوجوه وتكثر مظاهر تجليه وتأثيره.

وقد عيّن الأستاذ باسم الجسر لرسالة الصحافة أربعة أركان يقوم عليها هيكل الصحافة، هي: الكشف عن الحقيقة، توجيه الرأي العام بالتأثير فيه، التعبير عن الرأي العام، وأخيراً صناعة التاريخ.

فالكشف عن الحقيقة هو الربط بين الحقيقة والمعرفة، وهذا هو نفسه رسالة الأنبياء، وهو أكبر دور يمكن أن يلعبه الإنسان على وجه الأرض. فهو طموح الفلاسفة وغاية جميع المغامرات التي قام بها العقل البشري.

من المسلم به لدى العامة أن "الصحافة تمثل الرأي العام"، فمبدأ تأثير الصحافة في الرأي وتوجيهه لا يطاله الشك. فتأثير الصحافة، والصحافة اليومية في عقلية القارئ أمر لا ريب فيه، وهو الدور الرئيسي للصحافة اليوم. فتأثير الصحيفة في القارئ يعمل كالمسرحية في النظارة.

من هنا برزت قوة الصحافة في هذا العصر إذ أصبحت تعمل، بما فيها من الصور والمقالات والعناوين والأخبار في العقل الباطن للجماهير، تخلق إنفعالات غير منتظرة وغير منضبطة في النفوس ويزداد تأثير الصحيفة في النفس بنسبة حرصها على الحقيقة.

إن من مظاهر رسالة الصحافة، صناعة التاريخ، قد تكون الصحافة خير مسجل للحوادث بما تعقده حولها من مقالات وتعليقات فتكون بذلك مرآة العصر على الرغم من أن الصحافة قد تهمل بعض الأحيان التنويه بحادث مهم له تأثيره في مجرى التاريخ.

ورسالة الصحافة هذه، ثمة ما يهددها، سواء في النظام الرأسمالي الحر أو في النظام الشعبي الموجّه بأقدس مقوماتها، ولا سيما فيما يتعلق بحرية الرأي التي تشكل حجر الزاوية في هيكل الحريات.

معارك على جبهات متعددة

بالنسبة للصحافة اللبنانية فإنها قادت وتقود معارك ضد الطغيان والفساد والإحتلال، كما أن معظم الأفكار والتيارات على إختلاف أنواعها وإتجاهاتها ما تزال تتخذ من الصحف مجالاً لبروز معتقداتها وللتأثير في الرأي العام. وفي سبيل الديمقراطية الصحيحة والحرية والدفاع عن مصالح الشعب والوطن.

لكن الصحافة اللبنانية شأنها شأن الصحافة في البلدان الأخرى تواجه تحدياً كبيراً من خلال إتساع نطاق الإعلام المرئي والمسموع الذي يتسم بسرعة وصوله الى كل الأماكن والبيوت ويستطيع متابعة الأحداث دقيقة بدقيقة، إلا أن الإعلام المرئي والمسموع لم ينجح حتى الآن في الحلول مكان الصحيفة لإعتبارات متعددة. ولذلك في سبيل رفع مستوى الصحافة، واجتذاباً منها للقراء، إضطرت بعض الصحف أن تخطو خطوات واسعة في سبيل تحسين الطباعة والفن الصحفي لكسب القراء، بينما أخذ البعض الآخر منها يتودد الى القراء بالتوجه الى غرائزهم، ومع ذلك فرسالة الصحافة في لبنان عرفت أن تجمع الروعة الى جانب الخطورة.

مكانة الصحافة اللبنانية

كانت الصحافة اللبنانية منذ إنطلاقتها مع خليل جبرائيل الخوري عام 1858 وهي السنة التي أصدر فيها جريدته "حديقة الأخبار" أهم منابر التعبير عن الثقافة العربية والإسلامية عامة، وأهم وسائل الإعلام والتبليغ الى الجماهير العربية والغربية ونشرها على الملأ، كما كانت عرضاً من أعراض الإحتكاك والتفتح العسكري في العالم العربي منذ العام 1858 وحتى الآن.

إن المتتبع لتاريخ الصحافة اللبنانية ولتطورها السريع في هذه الحقبة يدهش لهذا التفجر الصحفي الذي يقوم به اللبنانيون في لبنان والعالم العربي من المحيط الى الخليج، وفي المهاجر الأميركية الشمالية والجنوبية، بينما كانت معظم الأقطار العربية الأخرى، على أنساب متفاوتة، في جُدب صحافي بعد الجُدب السياسي الطويل الذي عانت منه. وقد تحول بعضها الى تجمع ثقافي حمل في أغلب الأحيان، أكثر الوجوه نصاعة في التعبير عن مدارس الفكر بلغ بعض اللبنانيين منها القمة. ولذا فإن أية محاولة للتأريخ للعقل العربي عامة وللثقافة اللبنانية والإشعاع الفكري اللبناني خاصة، تكون مشوهة بل ناقصة إن لم تهتم الإهتمام الواجب بالدوريات التي أصدرها اللبنانيون، في لبنان وخارج لبنان، سواء في العالم العربي أو في الغرب والمهاجر الأميركية.

لهذه الدوريات ولعدد محترم منها على الأخص، تاريخ طويل، يجعل منها أو من المصادر والمراجع التي تحمل آثار العقل اللبناني الخلاق.

وأخطر ما تمثله هذه الدوريات أن العديد منها صدر في مصر بعد أن نزح عدد كبير من حملة الفكر من الشام الى مصر، في عهد الدولة العلوية ولا سيما في عهد إسماعيل وما بعده، وفي عهد الإحتلال الإنكليزي لمصر الذي أعقب الثورة العربية. فقد أصدر الشوام المثقفون اللبنانيون منهم، معظم الدوريات الثقافية والعلمية التي صدرت في مصر، في الربع الأخير من القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين.

وهذه الدوريات تُعتبر مصدراً من أهم المصادر لرصد عملية التفاعل والتلاقح الفكري العربي، خلال هذه الفترة.

واستطاعت الصحافة اللبنانية أن تحتل مركز الصدارة في مجالات الإعلام والإعلان والتثقيف والدفاع عن الحرية كما يقول الصحفي الراحل الأستاذ فاضل سعيد عقل في محاضرة له عن الصحافة اللبنانية ومعضلاتها، لأنها فهمت منذ الأساس رسالتها. فمنذ ولادتها فهمتها حرية في إشاعة الآراء والنظريات، فهمتها إنتاجاً لا ألقاباً فهمتها صدقاً وجرأةً وأدباً وثقافةً وكفاحاً.

لقد كان للصحافة اللبنانية، في الوطن والمهجر، إنبثاق أو تفجر جبار ويمكن أن نرى في تاريخها الحافل بالأمجاد، ثلاث مراحل أساسية مرت بها:

أولاها مرحلة التأسيس أو مرحلة الأمجاد وممثلة بِ: "حديقة الأخبار"، و"النفير"، و"لسان الحال"، و"ثمرات الفنون"، و"البشير"، و"المشرق"، و"بيروت في لبنان"، و"المقتطف"، و"المقطم"، و"الهلال"، و"البصير"، و"الجوائب"، و"القاهرة"، في مصر، و"الهدى" في أميركا الشمالية.

والثانية هي مرحلة الترسيخ أو مرحلة الإستشهاد كما يقول فاضل سعيد عقل الممثلة بجريدة "الراصد"، وصاحبها سعيد فاضل عقل، و"الأرز" لصاحبها فيليب وفريد الخازن، و"الإتحاد العثماني" و"الإصلاح" للشيخ أحمد حسن طبارة.

وأما المرحلة الثالثة فهي مرحلة الجهاد المتناوحة بين الجهاد والإستعباد.

ويقول يوسف أسعد داغر في كتابه قاموس الصحافة اللبنانية 1858- 1974 "أن الصحفي اللبناني لم يترك مكاناً على سطح الأرض إلا زرع فيه إسم لبنان وفكر بلاده. ولم يترك موضوعاً إلا خص به جريدة أو مجلة. فقد تتبعنا صدور هذا العدد الهائل من الدوريات اللبنانية وتقصينا أخبارها من أوثق المصادر التي تم لنا منها ما لم يتوفر بعضه لأكثر الناس إطلاعاً ولا لأي ممن أرّخوا للصحافة اللبنانية منذ نشأتها. وقد تكشف بعد البحث المضني والتحري القصي أن هنالك أكثر من 1000 دورية لبنانية بين جريدة ومجلة أصدرها اللبنانيون منذ العام 1923، وهو التاريخ الذي وقف عنده الفيكونت دي طرازي عندما أرّخ للصحافة العربية.

ويضيف داغر قائلاً: "تأثير الصحافة اللبنانية لم يقتصر على لبنان بل شمل كل أنحاء العالم، فأوجد للبنان على صغر حجمه، تلك المكانة المرموقة وتلك المنزلة التي يتربع بها في العالم مما يساهم في تثبيت مركزه الدولي فأكسبه عطفاً شاملاً وإعجاباً تاماً".

المشكلة الكبرى للصحافة اللبنانية

عرفت الصحافة اللبنانية في تطورها الصاعد الصعاب، واعترضت سيرها معضلات أهمها معضلة الحرية في لبنان، هذه الحرية التي حاول العهد العثماني كمها وكبتها بإخضاعها لقلم المكتوبجي ومقصه، الأمر الذي نفّر العديد من حملة الأقلام الحرة فهربوا بأقلامهم الحرة، الى مصر، حيث الجو أحلم، ومناخ الحرية أصفى. "فالصحافة هي حرية قبل أن تكون مهنة وهي رسالة قبل أن تكون تجارة، وهي مثل أعلى قبل أن تستحيل مادة. فمعضلة الحرية في لبنان هي قطب كل جهاد وهدف كل مناضل" كما يقول فاضل سعيد عقل.

فالصحافة اللبنانية كأداة تفاهم وطني ودولي، وكمدرسة جدل علني، لا يمكن أن تكون تقدمية، أي ذات رسالة تصاعدية في فاعليتها، سوية في مستواها، إلا إذا قدّمت عنصر العلم على الجهل.

 
 

 
     
 

الصفحة الرئيسية | تقديم | المنتدى  | للإتصال بنا | إفتتاحيات | ملفات |تحقيقات | عن المهنة
 نحن في صفحاتهم | حريات الصحف | المرصد اليومي | لقاء | صور | تواريخ الصحافة
قاموس الصحافة | مواقع الصحف | أسعار الإعلانات