|
محطات
في تاريخ الرقابة
لم تكن الرقابة أداة فقط من أدوات إخماد حريق الإثارة
الإعلامية، ولكنها كانت أيضاً وفي ذاتها أداة من أدوات
إتهام الصحافة بمسؤوليتها الكلية أو الجزئية عن هذه
الإثارة.
وحتى عندما مارست الصحافة الرقابة الذاتية على نفسها كانت
في تلك الممارسة تؤكد من جهة أولى أنها في مستوى التصدي
لحريق الإثارة، كما كانت من جهة أخرى تشير الى مسؤوليتها
في إضرام هذا الحريق بما يشكل نوعاً من الإدانة الذاتية.
وبعد إنتهاء حرب السنتين (1975- 1977) وإستناداً الى
الصلاحيات التشريعية التي حصلت عليها الحكومة من مجلس
النواب في كانون الأول 1976، كان أول مرسوم تشريعي أصدرته
الحكومة في 1-1-1977 هو المرسوم الذي ينص على فرض الرقابة
الحكومية على الصحف بواسطة المديرية العامة للأمن العام.
وقضية هذا المرسوم (الذي أُلغي في 28/1/1986) تلقي الضوء
على الموقف من الصحافة اللبنانية بوصفها عاملاً من العوامل
المثيرة الملفتة ليس في لبنان إنما في المنطقة العربية
أيضاً.
ومن المعروف، أن حكومات العالم الثالث تلعب دوراً تقريرياً
في تطوير صحافتها المحلية ولمعظم هذه الحكومات أجهزة معقدة
للإشراف على الصحافة وتوجيهها والسيطرة عليها، ومرد ذلك
الى الخوف من أن تتحول الصحافة الى أداة تهديد للإستقرار
والأمن، من حيث قدرتها على تعميم الشعور بالقلق والخطر
وعدم الإطمئنان مما يسفر عن قيام حالة من الفوضى والإضطراب.
وعلى الرغم من أن لبنان مثل سائر دول العالم العربي هو
واحد من هذا العالم الثالث فإن صحافته وعلاقة حكوماته
المتعاقبة بهذه الصحافة، لا تمثل مثالاً نموذجياً لعلاقات
بقية صحافة العالم الثالث بحكوماتها. بل لعل الوضع في
لبنان هو شواذ القاعدة.
أهلاً بكم في وطنكم الثاني
ولقد تعاملت الدول العربية مع هذه الحالة الشاذة أحياناً
بالإحتواء وأحياناً أخرى بالمجابهة.
ولعل أبرز صورة من صور محاولات تلك التي لخصها رئيس
الجمهورية الأسبق المرحوم شارل حلو (وهو صحافي مسجل على
جدول النقابة) عندما إستقبل في قصر الرئاسة وفد نقابة
الصحافة بعبارته المشهورة، أهلاً بكم في وطنكم الثاني
لبنان.
لقد إختصرت بعض الدول العربية المعادلة وبسطتها على أساس
خير لك أن تكون الصحافة اللبنانية معك من أن تكون ضدك
ومهما كلف الثمن.
وكان من نتيجة ذلك أن أصبحت الصحافة اللبنانية منبراً
عربياً، بل منابر عربية، وإذا كان في هذا بعض الإيجابية
إلا أن الجانب السلبي منه أن الدولة أو الدول العربية التي
كانت ترتاح لوجود منبر أو منابر لها في لبنان كانت لا
تتردد في الإعراب عن إستيائها لوجود منابر تندد بسياستها.
وهكذا بدلاً من أن يسترعي الإعلام اللبناني كل الدول
العربية وحّد هذه الدول على إستعدائه. وبدلاً من أن يثير
الإعلام اللبناني إهتمام الدول العربية أثار همومها وذلك
عندما إختلط الإهتمام العربي بما تكتبه الصحافة اللبنانية
بهموم أصداء وإنعكاسات هذه الكتابات.
لقد عاشت الصحافة اللبنانية عصرها الذهبي في ظل سياسة
الإحتواء العربية، لكن بعد سقوط هذه السياسة قامت سياسة
المواجهة، وترافقت هذه السياسة الجديدة مع نشوب الأزمة في
لبنان مما فتح باب الإجتهاد أمام نظريات الربط بين الأزمة
ودور الصحافة.
المرسوم رقم واحد
لقد صدر المرسوم رقم واحد بفرض الرقابة، ومعظم الصحف بل
أكثريتها الساحقة متوقف عن الصدور. وخلال الفترة الممتدة
من 18-12-1976 حتى 4-1-1977، لم تكن تصدر سوى صحيفتين أو
ثلاث صحف فقط.
وبعد صدور المرسوم إستأنفت الصحف الصدور مع الخضوع
للرقابة.
لماذا كان هذا المرسوم الأول في سلسلة المراسيم الإشتراعية
التي صدرت في عام 1977؟
للإجابة عن هذا السؤال من المفيد العودة الى مقررات بيت
الدين في تشرين الأول 1978 والتي نصت في بندها الأول على
ضرورة تصحيح الوضع الإعلامي.
والذين صاغوا تلك الفقرة من المقررات كان في ذهنهم أساساً
توقيف إذاعتي "صوت لبنان" و"صوت لبنان العربي" عن العمل
باعتبارهما إذاعتين غير شرعيتين. وكان في ذهنهم كذلك توقيف
صحيفتين عن الصدور هما صحيفة "الأحرار" الناطقة بلسان حزب
الوطنيين الأحرار و"الوطن" الناطقة بلسان الحركة الوطنية
باعتبارهما صحيفتين غير شرعيتين أيضاً.
ولقد عُهد الى لجنة وزارية برئاسة رئيس الحكومة الدكتور
سليم الحص وضع برنامج تطبيقي لمقررات بيت الدين بما فيها
تصحيح الوضع الإعلامي. وكانت اللجنة تضم السفيرين السعودي
الفريق علي الشاعر والكويتي عبد الحميد البعيجان والمندوب
السوري اللواء محمد الخولي، كما كانت تضم وزير الخارجية
فؤاد بطرس.
تصحيح الوضع الإعلامي
وفي أول جلسة عقدتها اللجنة تقرر البدء بتصحيح "الوضع
الإعلامي" وجرى في الجلسة نقاش ليس حول أولوية هذا الموضوع
على سائر المواضيع السياسية والأمنية الأخرى، ولكن حول من
أين يبدأ بتصحيح الوضع الإعلامي، من الصحف أو من الإذاعات
غير الشرعية؟
وإنطلاقاً من هذا المنطق الذي يقول أنه يمكن فرض الرقابة
على الصحف ولكن لا يمكن إلغاء الإذاعات غير الشرعية، تقرر
البدء بهذه الإذاعات. بدأ الإتصال بإذاعة "لبنان العربي"
وكُلّف السفير الكويتي بذلك. وجاء الجواب أن الإذاعة على
إستعداد للتوقف عن البث بعد ساعة واحدة من توقف إذاعة "صوت
لبنان".
بعد ذلك حملت طائرة "هليكوبتر" السفيرين السعودي والكويتي
الى إهدن. وحصل السفيران العربيان على موافقة مماثلة من
الرئيس سليمان فرنجية بالنسبة الى إذاعة "صوت لبنان الحرّ
الموحد".
وفي طريق عودة الطائرة الى بيروت الشرقية لإثارة الموضوع
مع إذاعة "صوت لبنان" تعرضت الطائرة لإطلاق نار، فأُصيبت
وهبطت إضطرارياً وأصيب السفير السعودي علي الشاعر في رجله.
ومع حادث الطائرة توقفت الإتصالات وطُويت مقررات بيت الدين
بما فيها تصحيح "الوضع الإعلامي".
إلا أن البلاغ رقم واحد أو المرسوم رقم واحد بقي أول إجراء
نفذه الرئيس أمين الجميل عام 1983 من خلال مدير عام الأمن
العام زاهي بستاني إعتقاداً منه، بأن التنفيذ الصارم
للمرسوم يمكن أن يريح لبنان ودولاً عربية أخرى تشكو من بعض
ما تنشره بعض الصحف اللبنانية.
لقد فُرض على الصحافة اللبنانية نوعان من الرقابة: الرقابة
الحكومية، والرقابة الذاتية. غير أنه في الحالتين لم تخف
حدة الفتنة ولم تتراجع المليشيات المتناحرة عن مواقفها
المتطرفة بل أن الذي حدث كان على العكس.
لقد قام الى جانب الإذاعة الرسمية مزيد من الإذاعات
الخاصة، وقام الى جانب الصحف والمجلات المرخصة، مزيد من
الصحف والمجلات غير المرخصة.
فكل تنظيم أو حزب كانت له إذاعته وحتى محطته التلفزيونية.
لقد أفرزت الأحداث التي عصفت بلبنان ما يمكن أن نتوافق على
تسميته بصحافة الطوائف الى جانب الصحافة الحزبية. كما
أُفرزت صحافة الميليشيات الى جانب صحافة المناطق... |